كاتبه | رامي فلمبان
تمر بنا جميعًا أيام لا نستيقظ فيها بالطاقة المعتادة. نفتح أعيننا ونحن نعرف أن لدينا قائمة طويلة من المهام، لكن الذهن لا يبدو حاضرًا كما نريده، والجسد لا يستجيب بالسرعة نفسها، وحتى الأعمال التي ننجزها عادة بسهولة تبدو في ذلك اليوم أثقل من المعتاد.
ومع ذلك، نتعامل أحيانًا مع هذه الأيام وكأنها مشكلة يجب أن نخفيها عن أنفسنا قبل الآخرين.
ثقافة العمل الحديثة جعلتنا نربط النجاح بالإنتاج المستمر، وكأن الإنسان يفترض أن يبدأ يومه بالطاقة نفسها، وأن يحافظ عليها حتى نهايته. وعندما لا يحدث ذلك، يبدأ الشعور بالذنب: لماذا أنا متعب؟ لماذا لا أستطيع إنجاز ما أنجزته بالأمس؟ هل أصبحت أقل كفاءة؟
لكن الإنسان ليس آلة تعمل بالوتيرة نفسها كل يوم.
هناك أيام نكون فيها في أفضل حالاتنا، وأيام أخرى نحتاج فيها إلى التخفيف. وهذه الحقيقة البسيطة تصبح أكثر أهمية كلما ازدادت مسؤولياتنا؛ لأن المشكلة ليست في وجود يوم منخفض الطاقة، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه.
عندما نحاول إجبار أنفسنا على العمل
تبدأ المشكلة عندما ندخل في صراع مع حالتنا بدل أن نتعامل معها بواقعية.
قد نحاول تعويض التعب بمزيد من المنبهات، أو نضغط على أنفسنا لإنجاز كل ما خططنا له، أو نشعر بالانزعاج لأن إنتاجيتنا اليوم أقل مما نريد. وفي بعض الأحيان نستمر في المقاومة حتى نصل إلى نهاية اليوم أكثر إرهاقًا، دون أن نكون قد أنجزنا ما يستحق كل ذلك الضغط.
في مثل هذه الأيام، قد يكون أول قرار جيد هو الاعتراف بأن طاقتنا اليوم أقل من المعتاد.
هذا الاعتراف ليس كسلًا، ولا يعني التخلي عن المسؤولية. إنه مجرد قراءة صادقة للموارد المتاحة.
إذا كنت تعرف أن طاقتك اليوم محدودة، فمن غير المنطقي أن تتعامل مع يومك كما لو كنت في أفضل حالاتك. الأفضل أن تسأل: ما الذي يجب أن أنجزه اليوم حتى يستمر العمل دون مشكلة كبيرة؟
هذا السؤال يغير طريقة النظر إلى قائمة المهام كلها.
ليس كل شيء يحتاج إلى الإنجاز اليوم
في الأيام التي نملك فيها طاقة عالية، نستطيع أن ننجز أكثر، ونخطط للمستقبل، ونبدأ أعمالًا جديدة، ونوسع دائرة اهتمامنا.
أما في الأيام منخفضة الطاقة، فقد يكون من الحكمة أن نختار بعناية.
يمكن أن تبدأ بسؤال بسيط:
ما المهمة التي إذا أنجزتها اليوم ستمنع مشكلة أو تعطل عمل شخص آخر؟
ربما تكون مكالمة مهمة، أو تقريرًا يحتاجه أحد الزملاء، أو موعدًا لا يمكن تأجيله، أو قرارًا بسيطًا إذا لم تتخذه اليوم سيتسبب في تعطيل شيء آخر.
عندما تحدد هذه المهمة، يصبح من الأسهل تأجيل ما يمكن تأجيله دون أن تشعر بأنك أهملت يومك بالكامل.
فالإنجاز في بعض الأيام لا يعني أن تنهي كل شيء، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق طاقتك المحدودة.
اسمح لنفسك بإنجاز جيد، لا مثالي
هناك خطأ آخر قد يجعل اليوم المنخفض أكثر صعوبة: الإصرار على أن يكون كل ما ننجزه بالمستوى نفسه الذي نحققه في أفضل أيامنا.
قد تكون لديك مهمة تستطيع عادة إنجازها بدرجة عالية من التركيز، لكنك اليوم لا تملك الطاقة نفسها. فإذا اشترطت على نفسك الكمال قبل أن تبدأ، فقد ينتهي الأمر بأنك لا تبدأ أصلًا.
في هذه الحالة، قد يكون العمل الجيد والكافي أفضل من انتظار العمل المثالي الذي لا يأتي.
ليس المقصود أن نتنازل عن الجودة في كل شيء، وإنما أن نفهم أن معيار الإنجاز يمكن أن يتغير بحسب الظروف، خصوصًا في المهام التي لا تتطلب أعلى مستوى من الإبداع أو القرار.
أحيانًا يكون إنهاء مهمة روتينية بصورة جيدة كافيًا جدًا.
والأهم أن تبقى الحركة مستمرة بدل أن يتوقف اليوم كله لأنك لم تكن في أفضل حالاتك.
عندما تصبح المهمة أكبر مما هي عليه
في أيام الطاقة المنخفضة، قد تبدو المهمة البسيطة أكبر من حجمها الحقيقي.
فتح ملف، كتابة رسالة، مراجعة تقرير، أو البدء في عمل مؤجل قد يبدو ثقيلًا بشكل غير معتاد. وهنا يظهر التسويف بسهولة، ليس لأن المهمة مستحيلة، وإنما لأن طاقتنا النفسية لا تساعدنا على الدخول فيها.
أحد الحلول البسيطة هو أن نصغر المهمة.
بدل أن تقول: "يجب أن أنتهي من التقرير"، قل: "سأفتح الملف وأراجع الأرقام الأساسية."
وبدل أن تقول: "يجب أن أنهي كل رسائل البريد"، ابدأ بالرسائل التي تحتاج إلى رد فعلي فقط.
عندما تصبح الخطوة الأولى صغيرة، يقل الشعور بالثقل، ويصبح البدء أسهل.
وقد تجد بعد البداية أن لديك طاقة لإنجاز أكثر مما توقعت. وإن لم يحدث ذلك، فقد أنجزت على الأقل الجزء الذي كان ممكنًا في ذلك اليوم.
كما أن العمل لفترات قصيرة تتخللها استراحات قد يكون أكثر ملاءمة من إجبار نفسك على ساعات طويلة من التركيز المتواصل.
احمِ طاقتك من الأشياء التي لا تستحقها
في الأيام العادية قد نستطيع تحمل قدر أكبر من المشتتات، لكن عندما تكون طاقتنا منخفضة، تصبح الأشياء الصغيرة أكثر استنزافًا.
التنقل المستمر بين التطبيقات، متابعة وسائل التواصل، الدخول في نقاشات لا ضرورة لها، أو محاولة معالجة عدة موضوعات في الوقت نفسه، كلها تستهلك جزءًا من الطاقة التي نحتاج إليها للعمل الأساسي.
لذلك قد يكون من المفيد في هذه الأيام تقليل ما لا ضرورة له.
ليس المطلوب أن تختفي عن الجميع، وإنما أن تعرف أن طاقتك محدودة، وأن استخدامها في كل اتجاه سيتركك دون طاقة لما هو أهم.
وينطبق الأمر نفسه على القرارات الكبيرة.
إذا كنت مرهقًا، فقد لا يكون هذا هو الوقت المناسب لاتخاذ قرار استراتيجي مهم أو الدخول في نقاش شديد التعقيد، ما لم يكن التأجيل غير ممكن.
أحيانًا يكون تأجيل القرار إلى وقت تكون فيه أكثر صفاءً أفضل من اتخاذه بسرعة ثم الاضطرار إلى التعامل مع نتائجه لاحقًا.
بين الرحمة بالنفس والمسؤولية
وهنا يظهر الفرق بين إدارة انخفاض الطاقة وبين استخدام التعب ذريعة للتخلي عن المسؤوليات.
أن تقول لنفسك: "أنا متعب اليوم، لذلك سأخفف ما يمكن تخفيفه" يختلف تمامًا عن أن تقول: "أنا متعب، لذلك لن أفعل شيئًا."
الأول وعي بالواقع، والثاني قد يتحول إلى عادة.
الهدف ليس أن نعطي أنفسنا تصريحًا دائمًا بالتأجيل، ولا أن نحول كل يوم صعب إلى عطلة. الهدف أن نعرف كيف نوازن بين حاجتنا إلى الراحة وبين مسؤولياتنا.
قد تنجز الضروري، وتؤجل ما يمكن تأجيله، ثم تمنح نفسك وقتًا مناسبًا للراحة بدل أن تقضي اليوم كله في الشعور بالذنب.
وهذا النوع من التعامل قد يكون أكثر استدامة من محاولة إثبات قدرتك على العمل مهما كانت حالتك.
لا تجعل يومًا واحدًا يحكم عليك
من السهل أن ننظر إلى يوم منخفض الطاقة وكأنه دليل على تراجعنا.
لكن يومًا واحدًا لا يخبرنا الكثير عن قدرتنا الحقيقية.
المشكلة تبدأ عندما نحول يومًا عابرًا إلى حكم دائم على أنفسنا: "أنا لم أعد منتجًا"، أو "أنا أصبحت أقل قدرة"، أو "لم أعد كما كنت".
ربما يكون كل ما في الأمر أنك مرهق وتحتاج إلى يوم أكثر هدوءًا.
أما إذا أصبح انخفاض الطاقة أمرًا متكررًا لفترة طويلة ويؤثر بوضوح في حياتك وعملك، فهذه قصة مختلفة وتستحق التوقف عندها وفهم أسبابها بدل الاكتفاء بمحاولة دفع نفسك إلى الأمام كل يوم.
لكن في الأيام العابرة، قد يكون أفضل ما تفعله هو أن تتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من إيقاع الحياة.
الإنتاجية التي يمكن أن تستمر
ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم الإنتاجية نفسه.
الإنتاجية ليست أن تعمل بأقصى سرعة كل يوم، وإنما أن تعرف كيف تحافظ على قدرتك على الاستمرار على المدى الطويل.
هناك أيام ننجز فيها كثيرًا، وأيام ننجز فيها القليل. المهم ألا يتحول القليل إلى شعور دائم بالفشل، وألا يتحول الكثير إلى سبب يجعلنا نستنزف أنفسنا باستمرار.
في بعض الأيام يكون الإنجاز الحقيقي هو إنجاز المهمة الأساسية، والمحافظة على الالتزامات المهمة، ثم التوقف في الوقت المناسب.
وقد يكون هذا أكثر نضجًا من إجبار النفس على تقديم أداء مرتفع في كل الظروف.
فالإنسان الذي يعرف كيف يعمل عندما تكون طاقته عالية، ويعرف أيضًا كيف يدير نفسه عندما تنخفض هذه الطاقة، يملك قدرة أكبر على الاستمرار من شخص لا يعرف إلا طريقة واحدة: الضغط على نفسه.
وربما لهذا لا ينبغي أن ننظر إلى الأيام ذات الطاقة المنخفضة باعتبارها أيامًا ضائعة.
قد تكون ببساطة أيامًا نتعلم فيها مهارة مختلفة: أن نعرف حدودنا، وأن نختار ما يستحق جهدنا، وأن ننجز ما نستطيع دون أن نحول التعب إلى معركة مع أنفسنا.
وعندما تعود الطاقة، سنجد أن العمل ما زال في مكانه، وأن الطريق لم يتوقف، وأننا لم نحتج إلى استنزاف أنفسنا كي نثبت أننا ما زلنا قادرين على الاستمرار.
أحيانًا يكون الإنجاز الحقيقي في اليوم الصعب ألا تفعل كل شيء، وإنما أن تعرف ما الذي لا يجوز أن يسقط، وما الذي يمكن أن ينتظر، ومتى يكون التوقف جزءًا من الاستمرار نفسه.