كاتبه | رامي فلمبان
من أكثر الأسئلة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا كلما حاول الإنسان أن يجيب عنها بصدق، سؤال: ماذا نريد من الحياة؟ قد يبدو السؤال في البداية وكأنه يبحث عن هدف واضح؛ وظيفة أفضل، أو مال أكثر، أو نجاح أكبر، أو حياة أكثر استقرارًا. لكن الإنسان كلما تقدم في العمر، وعاش تجارب مختلفة، ومر بمراحل لم يكن يتوقعها، يبدأ في اكتشاف أن الأشياء التي كان يظن أنها تمثل الحياة ليست بالضرورة هي الحياة التي يريدها فعلًا.
في بدايات الطريق، غالبًا ما تكون رغبات الإنسان واضحة ومباشرة. يريد أن ينجح، وأن يبني مستقبله، وأن يحصل على مكانة جيدة، وأن يمتلك ما يجعله يشعر بالأمان. يرى المستقبل كمساحة واسعة تنتظره، فيضع لنفسه أهدافًا متتالية، ويعتقد أن الوصول إلى كل هدف سيقربه أكثر من الشعور الذي يبحث عنه. ينجح في مرحلة، ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى، ويحصل على شيء، ثم يبدأ في التفكير في شيء جديد، حتى يصبح السعي نفسه جزءًا من حياته. وبين هذا السعي المستمر قد ينسى أن يسأل نفسه السؤال الأهم: ماذا أريد أن أشعر به عندما أصل؟
فالإنسان لا يبحث عن الأشياء لذاتها دائمًا، وإنما يبحث من خلالها عن معانٍ أعمق. قد يريد المال لأنه يبحث عن الأمان، وقد يريد النجاح لأنه يبحث عن التقدير، وقد يريد المنصب لأنه يبحث عن الشعور بقيمته، وقد يريد بيتًا أكبر لأنه يتخيل أن ذلك سيمنحه راحة أكبر. المشكلة تبدأ عندما يركز الإنسان على الوسيلة وينسى الغاية، فيقضي سنوات طويلة في جمع الأشياء وتحقيق الأهداف دون أن يتأكد من أنها تقوده فعلًا إلى الشعور الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
وقد يحصل الإنسان في النهاية على ما أراد، ثم يجلس في لحظة هادئة بعيدًا عن ضجيج العمل والناس، ويسأل نفسه: هل هذا هو كل شيء؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن ما حققه الإنسان بلا قيمة، وإنما يعني أنه اكتشف أن الحياة أكبر من قائمة الإنجازات التي كان يعتقد أنها ستكفيه. فالنجاح مهم، والعمل مهم، والاستقرار المالي مهم، لكن الإنسان يحتاج إلى أشياء أخرى لا تظهر دائمًا في الأرقام. يحتاج إلى علاقة جيدة مع نفسه، وإلى أشخاص يشعر بينهم بالأمان، وإلى وقت يستطيع أن يعيش فيه بعيدًا عن ضغط المسؤوليات، وإلى إحساس بأن ما يفعله له معنى، وأن الأيام التي يعيشها ليست مجرد وسيلة للوصول إلى يوم آخر.
وربما لهذا السبب يختلف معنى الحياة من شخص إلى آخر. لا توجد إجابة واحدة يمكن أن تناسب الجميع، لأن ما يجعل إنسانًا يشعر بالرضا قد لا يكون مهمًا لشخص آخر. أحدهم يجد قيمته في بناء مشروع، وآخر يجدها في أسرته، وثالث يجدها في المعرفة، ورابع يشعر بالمعنى عندما يقدم شيئًا نافعًا للآخرين. وليس المطلوب أن يتشابه الناس في أهدافهم، وإنما أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه في معرفة ما يريده، وأن يعرف لماذا يريد ما يريد.
لكن الصدق مع النفس ليس دائمًا سهلًا. نحن نعيش في عالم مليء بالصور والمقارنات. نرى نجاح الآخرين، وبيوتهم، وأعمالهم، وأسفارهم، وإنجازاتهم، ونبدأ من دون أن نشعر في قياس حياتنا بحياتهم. وقد نعتقد أننا نريد شيئًا لأننا رأيناه عند شخص آخر، أو نلاحق هدفًا لأنه يبدو جميلًا أمام الناس، لا لأنه يحمل لنا قيمة حقيقية.
وهنا يصبح من المهم أن يفرق الإنسان بين ما يريده فعلًا وما تعلم أن يريده.
قد يقضي شخص سنوات في السعي وراء وظيفة معينة لأنه تربى على أن هذه الوظيفة تعني النجاح، ثم يكتشف بعد الوصول إليها أنها لا تناسب شخصيته ولا الحياة التي يريد أن يعيشها. وقد يعتقد شخص آخر أن امتلاك المزيد من المال هو الحل لكل مشكلاته، ثم يكتشف أن بعض مشكلاته كانت تحتاج إلى وقت وراحة وعلاقات جيدة أكثر مما تحتاج إلى المال. وقد يسعى إنسان إلى الشهرة والتقدير، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يحتاج في الأصل إلى تقدير نفسه قبل انتظار تقدير الآخرين.
وهذه الاكتشافات لا تأتي دائمًا في لحظة واحدة. أحيانًا تتراكم ببطء، من خلال تجربة لا تسير كما توقعنا، أو علاقة تغيرت، أو مسؤولية جديدة، أو مرحلة جعلتنا نرى الحياة من زاوية مختلفة. ومع مرور السنوات يبدأ الإنسان في فهم أن الحياة لا تتعلق فقط بما يصل إليه، وإنما بالطريقة التي يعيش بها الطريق أيضًا. فقد يصل إلى هدفه وهو مرهق، وقد يحقق نجاحًا كبيرًا وهو يشعر بأنه فقد شيئًا مهمًا في المقابل. لذلك يصبح السؤال أكثر عمقًا عندما نسأل: هل أريد الوصول فقط، أم أريد أن أعيش الطريق الذي يقودني إليه؟
الحياة ليست محطة نهائية نصل إليها ثم تنتهي الأسئلة. كل مرحلة تحمل احتياجاتها وتغيراتها، وما نريده في بداية حياتنا قد لا يكون ما نريده بعد سنوات. وقد يكون هذا التغير طبيعيًا جدًا؛ فالإنسان يتعلم، وينضج، ويمر بتجارب تغير نظرته إلى الأشياء. لذلك لا ينبغي أن يشعر بالذنب لأنه لم يعد يريد ما كان يريده سابقًا.
ربما كان يريد أن يثبت نفسه، ثم أصبح يريد أن يعيش بهدوء. وربما كان يبحث عن كثرة العلاقات، ثم أصبح يبحث عن العلاقات الصادقة. وربما كان يقيس النجاح بما يملك، ثم بدأ يقيسه بالوقت الذي يملكه. وربما كان يريد أن يكون معروفًا، ثم أصبح يريد أن يكون مرتاحًا مع نفسه. وما يبدو من الخارج تغيرًا في الطموحات قد يكون في الحقيقة تغيرًا في فهم الإنسان لنفسه.
ومن أكثر الأشياء التي نريدها من الحياة الشعور بالأمان. الإنسان بطبيعته يبحث عن مساحة يشعر فيها أن الغد ليس مخيفًا بالكامل. يريد دخلًا يستطيع الاعتماد عليه، وعلاقات مستقرة، وبيئة تمنحه قدرًا من الطمأنينة. لكن الأمان الكامل ليس شيئًا يمكن للإنسان أن يضمنه، فالحياة بطبيعتها متغيرة، وقد تأتي أحداث لا يستطيع أحد أن يتوقعها أو يتحكم فيها. وربما يكون جزء من النضج أن نتعلم كيف نعيش مع قدر من عدم اليقين دون أن نسمح له بأن يمنعنا من الحياة.
نحن لا نستطيع أن نعرف كل ما سيحدث غدًا، لكننا نستطيع أن نعرف كيف نريد أن نعيش اليوم. نستطيع أن نعمل من أجل المستقبل دون أن نضحي بالحاضر بالكامل، وأن نخطط وندخر ونتعلم ونطور أنفسنا، وفي الوقت نفسه نمنح حياتنا الحالية حقها من الاهتمام. فالمستقبل الذي نبنيه ليس منفصلًا عن الأيام التي نعيشها الآن؛ هو في النهاية نتيجة لها.
ومن الأشياء التي يريدها الإنسان أيضًا أن يشعر بأن وجوده له قيمة. وليس بالضرورة أن يكون له أثر ضخم أو أن يعرفه الناس جميعًا. أحيانًا يكون الأثر الحقيقي صغيرًا جدًا، لكنه مهم بالنسبة إلى شخص آخر. كلمة طيبة، مساعدة، عمل متقن، تربية جيدة، أو موقف صادق قد يكون له أثر لا نعرف حجمه. وقد يمر الإنسان سنوات وهو يبحث عن إنجاز كبير يثبت به قيمته، بينما يكون أثره الحقيقي موجودًا في تفاصيل صغيرة لم يفكر يومًا في اعتبارها إنجازًا.
ولهذا لا ينبغي أن نربط قيمة الإنسان بحجم ما يراه الآخرون منه. قد يعيش شخص حياة هادئة جدًا، لكنه يشعر بالرضا لأنه يعرف أن حياته تحمل معنى بالنسبة إليه، وقد يعيش شخص آخر حياة مليئة بالإنجازات لكنه لا يشعر بالراحة لأنه لا يعرف لماذا يفعل كل ذلك. وفي الحالتين قد يكون الفرق ليس في حجم ما يملكه الإنسان، وإنما في علاقته بما يفعله وبالحياة التي اختار أن يعيشها.
وربما لا نريد من الحياة أن تعطينا كل شيء بقدر ما نريد أن نشعر بأن ما لدينا يستحق أن نعيش من أجله.
فالرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح. قد يعني فقط أن يعرف قيمة ما لديه بينما يستمر في تطوير ما يستطيع تطويره. يمكن للإنسان أن يريد المزيد دون أن يحتقر ما يملكه الآن، وأن يطمح إلى مستقبل أفضل دون أن يعتبر حاضره فاشلًا. وهذا التوازن ليس سهلًا؛ لأن الإنسان إذا عاش دائمًا في انتظار الشيء القادم، فقد تمر حياته وهو ينتظر، وإذا توقف تمامًا عن الطموح فقد يفقد الدافع إلى التطور. أما عندما يجمع بين الطموح والتقدير، فإنه يستطيع أن يعمل من أجل المستقبل دون أن يخسر الحاضر في الطريق إليه.
وقد تكون الأسرة والعلاقات الإنسانية من أكثر الأشياء التي نكتشف قيمتها مع مرور الوقت. في زحمة العمل والانشغال قد نعتقد أن لدينا دائمًا وقتًا للجلوس مع من نحب، وأن الفرصة ستتكرر متى أردنا. ثم تمر السنوات وتتغير الظروف، ونكتشف أن الوقت الذي كنا نظنه مضمونًا لم يكن كذلك. عندها نفهم أن بعض اللحظات لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة حتى تكون مهمة؛ جلسة عائلية بسيطة، حديث مع شخص نحبه، زيارة، أو حتى دقائق هادئة مع إنسان نشعر معه بالأمان، قد تكون من الأشياء التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
ولهذا فإن السؤال عن الحياة لا ينبغي أن ينحصر في العمل والمال والإنجاز. فالإنسان في النهاية يعيش بين الناس، ويحتاج إلى روابط تمنحه شعورًا بأنه ليس وحده في هذا العالم. وقد يكتشف بعد سنوات أن بعض العلاقات التي كان يؤجلها بحجة الانشغال كانت في الحقيقة من أكثر الأشياء التي كان يحتاج إليها، وأن الوقت الذي ظن أنه يستطيع تعويضه لاحقًا لم يكن قابلًا للاستعادة بالطريقة نفسها.
كما أن الإنسان يريد من الحياة أن يشعر بأنه يتقدم، حتى لو كان التقدم بسيطًا. لا أحد يريد أن يشعر بأن السنوات تمر دون أن يتغير شيء. ولهذا فإن التعلم والنمو واكتساب الخبرة أشياء مهمة، لكن التقدم لا يأتي دائمًا في صورة منصب أعلى أو دخل أكبر. ربما يكون في فهم أعمق للنفس، أو قدرة أكبر على التعامل مع المشكلات، أو هدوء أكثر في مواجهة الظروف، أو قدرة على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا. وأحيانًا يكون الإنسان قد تقدم كثيرًا دون أن يلاحظ، لأنه كان يقيس تقدمه فقط بما يمكن للآخرين رؤيته.
ومع مرور الوقت قد نكتشف أن أفضل نسخة من حياتنا ليست بالضرورة الحياة الأكثر ازدحامًا، وإنما الحياة الأكثر اتزانًا. أن نعمل دون أن نعيش للعمل، وأن ننجح دون أن نجعل النجاح هويتنا الوحيدة، وأن نملك المال دون أن يصبح المال معيار قيمتنا، وأن نكون قريبين من الناس دون أن نفقد أنفسنا في إرضائهم. وقد لا نصل إلى هذا التوازن بصورة كاملة، لكنه يظل اتجاهًا يستحق أن نبحث عنه كلما تغيرت ظروفنا وأولوياتنا.
وفي النهاية، ما نريده من الحياة قد لا يكون شيئًا واحدًا. نحن نريد الأمان، لكننا نريد الحرية أيضًا. نريد النجاح، لكننا نريد الراحة. نريد المال، لكننا نريد الوقت. نريد أن نكون معروفين أحيانًا، لكننا نريد أن نكون مفهومين من الأشخاص الذين نحبهم. نريد المستقبل، لكننا لا نريد أن نفقد الحاضر ونحن نبنيه.
وربما لا تكمن الحكمة في أن نجد إجابة نهائية لسؤال «ماذا أريد من الحياة؟»، وإنما في أن نستمر في طرحه كلما تغيرنا. فما نريده اليوم قد يتغير غدًا، وما نعتقد أنه ضروري الآن قد يصبح أقل أهمية بعد سنوات. وليس في ذلك تناقض أو فشل؛ فالحياة نفسها تتغير، والإنسان الذي يعيشها يتغير معها.
المهم ألا نعيش حياة اختارها لنا الآخرون دون أن نسأل أنفسنا، وألا نقضي سنوات في مطاردة أهداف لم نعرف يومًا لماذا أردناها، وألا ننتظر الوصول إلى مكان معين حتى نسمح لأنفسنا بالشعور بأن الحياة تستحق أن تعاش.
ربما نريد من الحياة في النهاية أن تمنحنا فرصة لنكون أنفسنا، وأن نعيش بقدر من الطمأنينة، وأن نحب ونُحَب، وأن نتعلم، وأن نعمل فيما نستطيع، وأن نترك أثرًا طيبًا، وأن ننظر إلى السنوات التي مضت دون أن نشعر أننا كنا غائبين عنها. وقد لا تكون الحياة دائمًا كما نريد، وهذا جزء من طبيعتها، لكنها تمنحنا في كل يوم مساحة نستطيع أن نختار فيها كيف نعيش، وما الذي نعطيه وقتنا، ومن نقترب منه، وما الذي نتخلى عنه، وما الذي نريد أن نحمله معنا إلى السنوات القادمة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي في نهاية الأمر: ماذا نريد من الحياة؟ بل كيف نريد أن نعيشها؟
لأن الإجابة عن السؤال الثاني قد تجعل السؤال الأول أكثر وضوحًا. فإذا عرف الإنسان الطريقة التي يريد أن يعيش بها، يصبح أكثر قدرة على معرفة الأشياء التي تستحق أن يسعى إليها، والأشياء التي يمكنه أن يتركها خلفه، والأشخاص الذين يريد أن يكونوا جزءًا من رحلته، والأيام التي يريد أن يتذكرها عندما ينظر يومًا إلى الوراء.
فالحياة ليست قائمة طويلة من الأشياء التي علينا امتلاكها، وإنما رحلة نعيشها مرة واحدة. وكلما أصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يريده منها، أصبح أقل استعدادًا لأن يبدد سنواته في أشياء لا تشبهه، وأكثر قدرة على تقدير الأشياء البسيطة التي كانت أمامه طوال الوقت دون أن ينتبه إليها.
