حين تتحول الاجتماعات إلى هدر للوقت

كاتبه | رامي فلمبان
الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، والشاشات تضيء بوجوه مجهدة تحاول أن تقتنص شيئًا من التركيز وسط زحام المهام المتراكمة. يجلس الجميع في غرفة واحدة أو يدخلون إلى اجتماع افتراضي، ثم يبدأ النقاش الذي يتكرر كل أسبوع تقريبًا. يتحدث أحدهم، ثم يرد آخر، وتنتقل الفكرة من شخص إلى آخر، وتُسجل بعض الملاحظات، وينتهي الاجتماع دون أن يكون واضحًا دائمًا ما الذي تغير فعلًا بين لحظة الدخول ولحظة الخروج.
ليس الاجتماع في حد ذاته مشكلة. فالمؤسسات تحتاج إلى التواصل، وتحتاج أحيانًا إلى جمع الأشخاص حول موضوع واحد حتى تفهم مشكلة أو تتخذ قرارًا أو تنسق بين أكثر من فريق. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاجتماع عادة لا يسأل أحد عن ضرورتها، أو عندما يتحول وجود الناس في الغرفة إلى دليل ظاهري على أن العمل يتحرك، بينما لا ينتج عن هذا الاجتماع قرار واضح أو مسؤولية محددة أو خطوة يمكن متابعتها.
وهنا يظهر الخلط بين الحركة والتقدم. قد تمتلئ جداول الموظفين بالاجتماعات، وتبدو المؤسسة في حالة نشاط دائم، لكن كثرة النقاش لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز. الموظف الذي يحتاج إلى وقت هادئ للكتابة أو التحليل أو البرمجة أو التخطيط قد يخسر جزءًا مهمًا من تركيزه عندما ينتقل من اجتماع إلى آخر، حتى لو كانت مدة كل اجتماع قصيرة.
والأثر لا يقتصر على الدقائق التي يقضيها الموظف داخل غرفة الاجتماعات. فهناك الوقت الذي يحتاجه للانتقال بين المهام، واستعادة تركيزه، ومراجعة ما كان يعمل عليه قبل أن يُطلب منه التوقف. وفي الأعمال التي تحتاج إلى تركيز متواصل، قد يكون هذا الانقطاع أكثر أهمية من مدة الاجتماع نفسها.
وقد حضرت في بيئات عمل اجتماعات تعقد لأنها موجودة أصلًا في الجدول، لا لأنها تحتاج فعلًا إلى أن تعقد. الجميع يعرف الموعد، لكن لا يعرف بالضرورة ما المطلوب الوصول إليه. يدخل الحاضرون دون تحضير، ثم يبدأ النقاش من النقطة التي انتهى عندها الاجتماع السابق، وبعد وقت من الحديث يكتشف الجميع أنهم ما زالوا أمام المشكلة نفسها.
عندما يحدث ذلك بصورة متكررة، يصبح الاجتماع عبئًا بدل أن يكون أداة. يبدأ الموظفون في حضوره لأنهم مضطرون إلى ذلك، ويصبح بعضهم منشغلًا بما تركه خلفه أكثر من انشغاله بما يدور أمامه. ومع الوقت قد يفقد الاجتماع قيمته حتى عندما تكون هناك حاجة حقيقية إلى عقده، لأن كثرة الاجتماعات جعلت الموظفين يتعاملون معها جميعًا باعتبارها متشابهة.
أحد أسباب المشكلة هو غياب السؤال البسيط: لماذا نحتاج إلى الاجتماع؟
إذا كان المطلوب مجرد مشاركة معلومة، فقد يكون البريد أو المستند المختصر أكثر وضوحًا. وإذا كان المطلوب الحصول على تحديث من فريق، فقد يكون التقرير المكتوب كافيًا. وإذا كان الموضوع يحتاج إلى نقاش بين أشخاص يمتلكون معلومات أو صلاحيات مختلفة، فهنا يصبح الاجتماع أكثر منطقية، لأنه يوفر مساحة لاختلاف الآراء والوصول إلى قرار لا يمكن الوصول إليه بسهولة من خلال الرسائل المتفرقة.
الكتابة نفسها يمكن أن تكون وسيلة مهمة لتقليل الاجتماعات غير الضرورية. عندما يطلب من صاحب الموضوع أن يوضح المشكلة والمعلومات المتاحة وما يحتاج إليه قبل الاجتماع، فإنه يكتشف أحيانًا أن جزءًا كبيرًا من النقاش كان يمكن حسمه دون اجتماع أصلًا. كما أن التحضير المكتوب يجعل النقاش أكثر تركيزًا، لأن المشاركين يدخلون وهم يعرفون الموضوع بدل أن يقضوا الدقائق الأولى في محاولة فهمه.
وعندما يكون الاجتماع ضروريًا، فإن نجاحه لا يعتمد فقط على عدد الحاضرين أو مدة الاجتماع، وإنما على وضوح الغرض منه. من المفيد أن يعرف المشاركون قبل الدخول: ما الموضوع الذي سنناقشه؟ وما القرار أو النتيجة التي نحتاج إلى الوصول إليها؟ ومن الأشخاص الذين نحتاج فعلًا إلى وجودهم؟
ليس كل شخص في المؤسسة يحتاج إلى حضور كل اجتماع. أحيانًا يكون وجود عدد كبير من الأشخاص سببًا في إطالة النقاش، لأن بعض الحاضرين لا يملكون معلومات أو صلاحية أو مسؤولية مرتبطة بالموضوع. تقليل عدد المشاركين لا يعني تقليل أهمية الآخرين، وإنما يعني احترام وقتهم عندما لا تكون مشاركتهم ضرورية.
والأمر نفسه ينطبق على مدة الاجتماع. ليس الهدف أن يكون كل اجتماع قصيرًا بأي ثمن، فقد تحتاج بعض القرارات إلى وقت كافٍ لفهمها. لكن الاجتماع الذي لا يملك حدودًا واضحة قد يستمر بسهولة في النقاش حتى بعد أن ينتهي الجزء المفيد منه. لذلك فإن تحديد الوقت المناسب للموضوع يساعد المشاركين على التركيز، بدل أن يصبح امتداد الاجتماع أمرًا طبيعيًا لمجرد أن الوقت ما زال متاحًا.
لكن أهم ما يميز الاجتماع المنتج هو ما يحدث بعد انتهائه. قد يكون النقاش ممتازًا، وقد تتفق المجموعة على عدد من الأفكار، لكن إذا خرج الجميع دون معرفة ما الذي سيحدث بعد ذلك، ومن المسؤول عنه، ومتى ستتم مراجعته، فإن الاجتماع لم يكتمل فعليًا.
القرار الذي لا يملك مسؤولًا عنه قد يتحول إلى أمنية، والمهمة التي لا تملك موعدًا واضحًا قد تتأجل، والمشكلة التي تعود إلى الاجتماع نفسه كل أسبوع تعني غالبًا أن النقاش لم يتحول إلى فعل.
وهنا تظهر مسؤولية المدير. ليس دوره أن يدير وقت الاجتماع فقط، وإنما أن يعرف متى يكون الاجتماع هو الأداة المناسبة أصلًا. وقد يكون القرار الإداري الأفضل أحيانًا هو إلغاء اجتماع مقرر، واستبداله بمعلومة مكتوبة أو محادثة قصيرة بين الأشخاص المعنيين. إلغاء اجتماع غير ضروري ليس تقليلًا من أهمية التواصل، بل قد يكون شكلًا من أشكال احترام وقت الفريق.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تقليل الاجتماعات إلى قاعدة جديدة تمنع الحوار. هناك موضوعات لا يمكن حسمها برسالة، ومشكلات تحتاج إلى جمع وجهات نظر مختلفة، وقرارات تستفيد من الحوار المباشر. لذلك فإن الهدف ليس الوصول إلى مؤسسة بلا اجتماعات، وإنما مؤسسة تعرف لماذا تجتمع ومتى لا تحتاج إلى الاجتماع.
فالاجتماعات جزء من العمل، مثلها مثل البريد والتقارير والمحادثات اليومية. قيمتها لا تأتي من عددها، وإنما من قدرتها على تحريك العمل إلى الأمام. عندما يخرج الموظفون من الاجتماع وهم يعرفون القرار، والمسؤولية، والخطوة التالية، يصبح الوقت الذي قضوه فيه جزءًا من الإنجاز. أما عندما يعود الجميع إلى مكاتبهم بالسؤال نفسه الذي دخلوا به، فربما كانت المشكلة في الاجتماع قبل أن تكون في الموظفين.
وفي النهاية، احترام وقت الموظفين لا يعني أن نحسب كل دقيقة بمعزل عن غيرها، وإنما أن ننتبه إلى أين تذهب ساعات العمل وما الذي تنتجه. قد لا تحتاج المؤسسة إلى مزيد من الاجتماعات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الوضوح: وضوح في الهدف، ووضوح في المسؤولية، ووضوح في القرار.
فالاجتماع الجيد لا يُقاس بطول النقاش الذي دار فيه، وإنما بما أصبح ممكنًا بعد انتهائه.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان