كاتبه | رامي فلمبان
من الخارج، كان كل شيء يبدو كما ينبغي أن يكون.
مكتب أنيق، أوراق مرتبة، شاشات مليئة بالتقارير ومؤشرات الأداء، واجتماعات متواصلة وقرارات تتطلب الحضور والتركيز.
كنت أظن أن قدرتي على تحمل هذا الضغط دليل على نجاحي المهني. وكنت حريصًا على أن أظهر أمام زملائي وفريقي بصورة المدير القادر على التعامل مع المشكلات دون أن يتأثر بها.
كنت أذهب إلى العمل كل صباح وأنا أحاول أن أبدو واثقًا ومتماسكًا، حتى في الأيام التي كنت أشعر فيها داخليًا بأن طاقتي بدأت تنفد.
لم أكن أدرك حينها أن المحافظة على صورة الشخص الذي يستطيع تحمل كل شيء قد تصبح عبئًا في حد ذاتها.
التعب الذي تجاهلته طويلًا
لم يبدأ ما حدث في ذلك اليوم.
سبقت تلك اللحظة أشهر طويلة من الضغط والعمل المتواصل، كنت خلالها أتعامل مع التعب باعتباره شيئًا طبيعيًا يمكن تجاوزه.
كان النوم يتأثر أحيانًا، وأشعر بالتوتر قبل بعض الاجتماعات أو عند تراكم المهام، لكنني كنت أجد دائمًا مبررًا للاستمرار.
أقول لنفسي:
«هذه فترة وستمر.»
ثم تأتي فترة أخرى، ومشكلة جديدة، ومشروع يحتاج إلى وقت إضافي، فأؤجل الراحة مرة أخرى.
كنت أتعامل مع العمل وكأنه لا ينتهي، ومع نفسي وكأن قدرتي على التحمل بلا حدود.
ولم أفهم إلا لاحقًا أن الإنسان يستطيع أن يستمر لفترة طويلة وهو يتجاهل إرهاقه، لكن ذلك لا يعني أن الإرهاق اختفى.
يوم عادي انتهى بطريقة مختلفة
كان اليوم الذي أتذكره جيدًا يومًا عاديًا من أيام العمل.
اجتماعات، رسائل، قرارات، ومهام متراكمة.
بعد انتهاء أحد الاجتماعات عدت إلى مكتبي وأغلقت الباب، وجلست أمام الحاسوب لمتابعة بقية العمل.
لكنني شعرت في تلك اللحظة بأنني لم أعد قادرًا على الاستمرار بالطريقة نفسها.
توقفت عن العمل، وجلست للحظات أحاول استيعاب ما يحدث.
شعرت بضيق شديد وتوتر وانفعال لم أستطع السيطرة عليه، ثم انهرت بالبكاء.
كان الأمر صادمًا بالنسبة لي، ليس لأنني كنت أواجه مشكلة واحدة كبيرة، وإنما لأنني اكتشفت فجأة حجم ما تراكم داخلي طوال الفترة السابقة.
كنت أخشى أن يطرق أحدهم الباب ويراني في تلك الحالة.
فأنا الشخص الذي اعتاد الجميع أن يراه متماسكًا، والذي كنت أعتقد أنه لا يملك رفاهية الضعف.
لكنني كنت في تلك اللحظة إنسانًا متعبًا قبل أن أكون مديرًا.
عندما سقطت صورة المدير الذي يتحمل كل شيء
بعد أن هدأت قليلًا، بقيت جالسًا في مكتبي أفكر.
كانت أمامي التقارير نفسها، والشاشة نفسها، والمكتب نفسه الذي جلست خلفه مئات المرات.
لكنني لم أعد أراه بالطريقة نفسها.
سألت نفسي:
ماذا أحاول أن أثبت، ولمن؟
كنت قد ربطت نجاحي المهني بقدرتي على تحمل المزيد، وكأن طلب الراحة أو تفويض بعض المهام أو الاعتراف بالإرهاق يعني أنني أقل قدرة على القيادة.
لكن الحقيقة التي بدأت أراها بوضوح هي أن المدير الذي يحاول أن يتحمل كل شيء بنفسه قد يتحول، من حيث لا يريد، إلى جزء من المشكلة.
فالقيادة لا تعني أن تقوم بكل شيء.
ولا تعني أن تكون متاحًا طوال الوقت.
ولا تعني أن تخفي تعبك حتى تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها الاستمرار.
ما الذي تغير بعد ذلك؟
لم يكن ذلك اليوم حلًا سحريًا لكل شيء، لكنه كان نقطة توقّف مهمة.
بدأت أراجع الطريقة التي أتعامل بها مع وقتي وطاقتي.
تعلمت أن التفويض ليس تخليًا عن المسؤولية، وإنما جزء منها.
وبدأت أضع حدودًا أوضح بين العمل والحياة الشخصية، وأعيد ترتيب الأولويات بدل التعامل مع كل مهمة وكأنها عاجلة بالدرجة نفسها.
كما أصبحت أكثر انتباهًا للإشارات التي كنت أتجاهلها سابقًا.
إذا شعرت بالإرهاق، لم أعد أتعامل معه باعتباره شيئًا يجب إخفاؤه بأي ثمن.
وإذا كان هناك عمل يمكن توزيعه على الفريق، أصبحت أكثر استعدادًا لتفويضه بدل الاحتفاظ بكل التفاصيل لنفسي.
درس إداري من تجربة شخصية
هذه التجربة جعلتني أعيد التفكير أيضًا في علاقتي بفريقي.
إذا كان المدير نفسه يرسل رسالة غير مباشرة بأن العمل يجب أن يستمر مهما كانت الظروف، فمن الصعب أن يتوقع من الموظفين أن يحافظوا على توازن صحي.
ولهذا أصبحت أكثر اهتمامًا بطريقة توزيع المهام، وبالواقعية في تحديد الأولويات، وبأن تكون ثقافة العمل قائمة على الإنجاز المستدام لا على الاستنزاف المستمر.
لا يعني ذلك أن العمل لا يحتاج إلى جهد، أو أن الضغوط يمكن إلغاؤها بالكامل.
لكن هناك فرق بين فترة ضغط مؤقتة، وبين أن يتحول الضغط إلى أسلوب حياة دائم.
النجاح الذي لا يترك لك حياة
أدركت بعد تلك التجربة أنني كنت أقيس نجاحي من خلال أشياء كثيرة خارجية: حجم المسؤوليات، عدد الإنجازات، القدرة على حل المشكلات، واستمرار العمل دون توقف.
لكنني لم أكن أضع سؤالًا أساسيًا في حساباتي:
هل الطريقة التي أحقق بها هذا النجاح تسمح لي بأن أعيش حياتي أيضًا؟
فالإنجاز المهني مهم، والطموح مهم، والمسؤولية مهمة.
لكنها جميعًا تفقد جزءًا من معناها إذا أصبح الإنسان غير قادر على الاستمتاع بحياته خارج العمل.
لم أعد أريد أن يكون نجاحي مرتبطًا بعدد الساعات التي أقضيها خلف المكتب، وإنما بقدرتي على تحقيق نتائج جيدة دون أن أستهلك نفسي في الطريق إليها.
عندما يصبح المكتب مجرد مكان للعمل
اليوم، عندما أجلس خلف مكتبي، ما زلت أتعامل مع العمل بجدية، وما زلت أتحمل مسؤولياتي وأهتم بالنتائج.
لكن نظرتي تغيرت.
لم يعد المكتب المكان الذي يجب أن أثبت فيه أنني قادر على تحمل كل شيء.
أصبح مكانًا أؤدي فيه دوري، ثم أغادره لأعود إلى بقية حياتي.
وقد تكون هذه أبسط نتيجة خرجت بها من أكثر تجربة جعلتني أراجع علاقتي بالعمل:
ليس النجاح أن تستطيع الاستمرار مهما كان الثمن، بل أن تعرف متى تحتاج إلى التوقف، ومتى تفوض، ومتى تعيد ترتيب ما يستحق وقتك وطاقتك.
وأحيانًا لا تكون لحظة الانكسار هي التي تنهي الطريق، بل اللحظة التي تجبرك أخيرًا على النظر إلى الطريق الذي كنت تسير فيه، والسؤال إن كان يستحق أن تكمله بالطريقة نفسها.