كل إنسان يحمل قصة لا يراها الآخرون

كاتبه | رامي فلمبان
يمضي الإنسان في حياته وهو يلتقي بعشرات الوجوه كل يوم؛ يراها في العمل، وفي الشارع، وفي المجالس المختلفة، ويتعامل معها في مواقف عابرة ثم يمضي. يبتسم لهذا، ويصافح ذاك، ويستمع إلى كلمات قصيرة من آخرين، دون أن يدرك أن كل واحد من هؤلاء يحمل في داخله قصة كاملة لا تظهر في ملامحه، ولا يمكن اختصارها في لحظة لقاء أو حديث عابر.
فالابتسامة ليست دائمًا دليلًا على الفرح، كما أن الصمت ليس بالضرورة علامة على البرود أو اللامبالاة. وما نراه من الإنسان ليس بالضرورة سوى جزء صغير من حياته، بينما تبقى تفاصيل كثيرة لا نعرف عنها شيئًا.
اعتاد الإنسان أن يبني انطباعاته عن الآخرين مما يراه أمامه. كلمة، أو تصرف، أو موقف واحد قد يكون كافيًا أحيانًا لتكوين صورة تستمر طويلًا. لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في موقف عابر. فقد يكون الشخص الذي يبدو شديد الصرامة قد مر بتجارب جعلته أكثر حذرًا، وقد يكون قليل الكلام لأنه لا يجد ما يريد قوله، وربما يبدو آخر دائم الابتسام لأنه لا يريد أن يحمل من حوله ما يثقل عليه.
لا يعني ذلك أن كل تصرف له تفسير خفي أو أن علينا أن نبحث عن أعذار لكل خطأ. وإنما يعني أن الإنسان لا يملك دائمًا المعلومات الكافية ليصدر حكمًا نهائيًا على شخص آخر. وهذه الفكرة البسيطة يمكن أن تغير كثيرًا من طريقة تعاملنا مع الناس.
فكل إنسان يأتي إلى علاقاته محملًا بتجربته الخاصة. ما يبدو أمرًا بسيطًا لشخص قد يكون حساسًا بالنسبة إلى آخر، وما يعتبره أحدهم موقفًا عابرًا قد يذكر شخصًا آخر بتجربة قديمة. نحن لا نعيش الظروف نفسها، ولا نملك الذكريات نفسها، ولذلك ليس غريبًا أن تختلف ردود أفعالنا تجاه الموقف نفسه.
وقد يخفي الإنسان أجزاء كبيرة من حياته حتى عن أقرب الناس إليه. ليس بالضرورة لأنه يريد الغموض، وإنما لأن بعض التجارب يصعب شرحها، وبعض المشاعر تحتاج إلى وقت حتى يفهمها صاحبها قبل أن يستطيع التعبير عنها. وهناك أشياء يختار الإنسان الاحتفاظ بها لنفسه، لأنها ببساطة جزء من خصوصيته.
ومع مرور السنوات، يتعلم الإنسان أن ما يظهر أمامه ليس الصورة الكاملة. وهذا الوعي يجعله أكثر تريثًا في تفسير تصرفات الآخرين. قد يتأخر شخص في الرد لأنه يمر بظرف لا نعرفه، وقد يبدو شخص آخر مشتتًا لأنه يحمل مسؤولية أكبر مما يظهر، وقد ينسحب أحدهم من حديث أو مجلس لأنه يحتاج إلى مساحة من الهدوء. لا يمكننا أن نعرف السبب في كل مرة، لكن يمكننا على الأقل ألا نختار أسوأ تفسير تلقائيًا.
وهنا تظهر قيمة التعاطف، لا باعتباره تبريرًا للأخطاء، وإنما باعتباره اعترافًا بحدود معرفتنا. يمكن للإنسان أن يرفض سلوكًا لا يقبله، وأن يضع حدودًا واضحة، وفي الوقت نفسه يتعامل مع صاحبه باحترام. فالإنصاف لا يعني أن نوافق الآخرين في كل شيء، وإنما أن نفرق بين تقييم التصرف والحكم على الإنسان كله.
وتزداد أهمية ذلك في زمن أصبحت فيه حياة الناس تُعرض من خلال صور ومنشورات مختارة. نرى نجاحًا ولا نرى السنوات التي سبقته، ونرى ابتسامة ولا نعرف ما حدث قبلها، ونرى شخصًا يستمتع بوقته ولا نعرف ما يواجهه في بقية أيامه. ولهذا فإن مقارنة حياتنا بما يظهر من حياة الآخرين تضعنا أمام صورة غير مكتملة من الجانبين.
قد ينظر الإنسان إلى شخص آخر فيظن أنه يعيش حياة أفضل، بينما يرى ذلك الشخص نفسه ما ينقصه هو. كل واحد يقارن واقعه الحقيقي بصورة جزئية عن حياة غيره. وربما لهذا فإن كثيرًا من المقارنات التي تؤلمنا لا تقوم على معرفة حقيقية، وإنما على أشياء لم نر منها إلا ظاهرها.
ومع النضج يصبح الإنسان أقل انشغالًا بإصدار الأحكام، وأكثر اهتمامًا بالفهم. الحكم السريع يمنح شعورًا باليقين، لكنه لا يمنح بالضرورة الحقيقة. أما الفهم فيحتاج إلى وقت واستماع وتواضع، لأنه يبدأ من الاعتراف بأن ما نعرفه عن الآخر قد يكون أقل بكثير مما نعتقد.
وهذا لا يقتصر على الآخرين. فنحن أيضًا نحمل قصصًا لا يعرفها كثير ممن حولنا. قد نبدو أكثر قوة مما نشعر به، أو أكثر هدوءًا مما نعيشه في الداخل، وقد نمر بتجارب لا نرغب في الحديث عنها. وعندما نتذكر ذلك، يصبح من الأسهل أن نفهم لماذا قد لا يكون الآخرون قادرين على رؤية ما نراه نحن عن أنفسنا.
لكن قصص الناس ليست كلها قصص ألم. هناك قصص صبر وتعلم وبدايات جديدة، وهناك أشخاص مروا بظروف صعبة ثم أعادوا ترتيب حياتهم، وآخرون تعثروا أكثر من مرة قبل أن يجدوا طريقهم. ما نراه في النهاية قد يكون نتيجة سنوات لم نكن موجودين خلالها، ولذلك فإن اختصار الإنسان في وضعه الحالي يحرمنا من فهم الرحلة التي أوصلته إليه.
وربما لهذا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى معرفة قصة الآخر كاملة حتى يحسن معاملته. يكفي أحيانًا أن يتذكر أن وراء الوجه الذي أمامه حياة لا يعرف تفاصيلها. كلمة محترمة، أو استماع دون استعجال، أو امتناع عن السخرية من أمر لا نفهمه، قد تبدو أفعالًا صغيرة، لكنها تعكس وعيًا مهمًا بحدود ما نعرفه عن الناس.
وقد لا يعرف الإنسان أبدًا أثر تصرف صغير قام به. ربما كانت كلمة طيبة قالها في لحظة عابرة أكثر أهمية مما تصور، وربما كان امتناعه عن إصدار حكم قاسٍ سببًا في أن يمر شخص آخر بيومه بقدر أقل من الثقل. نحن لا نستطيع معرفة كل الآثار التي نتركها في حياة الآخرين، لكننا نستطيع اختيار الطريقة التي نعاملهم بها.
ومع الوقت، يكتشف الإنسان أن الحياة لا تمنحه فرصة لمعرفة جميع القصص التي يلتقي بها، لكنها تمنحه فرصة لأن يكون أكثر عدلًا في أحكامه، وأكثر هدوءًا في تفسيره، وأكثر احترامًا لخصوصية الناس. ليس مطلوبًا أن نبرر كل شيء، ولا أن نفترض أن وراء كل تصرف مأساة خفية، وإنما أن نترك مساحة لاحتمال أننا لا نعرف القصة كاملة.
فخلف كل وجه حياة لا نراها، وخلف كل تصرف أسباب قد نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. وكلما أدرك الإنسان حدود معرفته، أصبح تعامله مع الآخرين أكثر إنصافًا.
وربما تكون الحكمة هنا بسيطة: نحن لا نحتاج إلى أن نعرف قصص الناس كلها حتى نحترمهم. يكفي أن نتذكر أن ما نراه منهم ليس سوى الصفحة التي ظهرت أمامنا، وأن الحكم على كتاب كامل من صفحة واحدة ليس عدلًا.
وعندما ننظر إلى الناس بهذه العين، تصبح العلاقات أكثر إنسانية؛ ليس لأننا فهمنا الجميع، وإنما لأننا توقفنا عن الادعاء بأننا نفهمهم من أول نظرة.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان