كاتبه | رامي فلمبان
تخيل أنك تفتح باب مكتبك الجديد في صباح اليوم الأول لتولي منصبك القيادي، فتجد أمامك فريقًا يضم أشخاصًا أمضوا سنوات طويلة في المؤسسة، وبعضهم ربما يعرف تفاصيل العمل أكثر مما تتصور. أشخاص بنوا خبراتهم عبر سنوات من التجربة، ومروا بمواقف وقرارات وأزمات أصبحت جزءًا من ذاكرتهم المهنية.
في تلك اللحظة قد تشعر بشيء من الرهبة. فأنت المسؤول عن قيادة أشخاص يكبرونك سنًا، وربما يتفوقون عليك خبرة في المجال الذي يعملون فيه. وقد يبدأ السؤال في داخلك: كيف سأقود فريقًا يعرف عن العمل أكثر مني؟
هذا السؤال طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يدفعك إلى محاولة إثبات نفسك بالطريقة الخطأ.
قد يميل المدير الجديد إلى إصدار القرارات سريعًا، والتدخل في التفاصيل، والتأكيد على سلطته منذ الأيام الأولى، خوفًا من أن يفسر الفريق هدوءه أو تردده على أنه ضعف. لكن محاولة فرض السيطرة لمجرد إثبات أنك المدير قد تحقق العكس تمامًا. فالخبراء الذين أمضوا سنوات في العمل يستطيعون غالبًا أن يميزوا بين المدير الواثق من دوره، والمدير الذي يحاول تعويض نقص الخبرة الفنية بكثرة الأوامر.
أنت لست مطالبًا بأن تعرف أكثر منهم في كل شيء
هذه ربما أهم نقطة يحتاج المدير الجديد إلى فهمها. ليس من الضروري أن تكون أقدم شخص في الفريق أو أكثرهم معرفة بالتفاصيل الفنية حتى تكون قائدًا جيدًا. فوظيفتك ليست أن تنافس أعضاء فريقك في المجال الذي قضوا سنوات في إتقانه، وإنما أن تعرف كيف تجمع هذه الخبرات وتوجهها نحو هدف واضح.
عندما يدرك المدير ذلك، يتغير أسلوبه في التعامل مع الفريق. بدل أن يدخل كل نقاش بهدف إثبات أنه يعرف الإجابة، يبدأ في طرح الأسئلة والاستماع. وبدل أن ينشغل بتصحيح كل تفصيل فني، يبدأ في البحث عن الصورة الأكبر: ما الذي نريد تحقيقه؟ ما العقبات التي تمنع الفريق من الوصول إليه؟ وما الذي يحتاجه هؤلاء الأشخاص حتى يقدموا أفضل ما لديهم؟
وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمدير.
الفريق الخبير قد يمتلك معرفة عميقة بالعمل والسوق والعملاء والمشكلات التي تكررت عبر السنوات، لكنه قد يحتاج في المقابل إلى شخص يساعده على رؤية الصورة الأشمل، أو يتولى إزالة العقبات التي لا يستطيع أعضاء الفريق حلها بأنفسهم. قد تكون هناك إجراءات تعطل العمل، أو موارد يحتاجها الفريق، أو قرارات تتطلب تدخل الإدارة، أو حاجة إلى تنسيق أفضل بين الإدارات المختلفة.
في هذه المساحة تحديدًا تظهر قيمة المدير.
فبدل أن يسأل نفسه كل يوم: كيف أثبت أنني أستحق هذا المنصب؟ قد يكون السؤال الأكثر فائدة: كيف أجعل هذا الفريق أكثر قدرة على النجاح؟
عندما يرى أعضاء الفريق أن مديرهم لا يحاول التدخل في كل صغيرة وكبيرة، وإنما يعمل على توفير الموارد، وإزالة العقبات، وحماية الفريق من التشتت، وربط جهودهم بأهداف المؤسسة، فإن العلاقة تبدأ في التحول. لا يعود المنصب وحده هو مصدر السلطة، وإنما تصبح طريقة استخدام هذه السلطة هي التي تصنع الثقة.
وهذا لا يعني أن المدير يجب أن يترك الفريق يعمل دون توجيه. على العكس، فالفريق الخبير يحتاج أيضًا إلى قيادة واضحة. الخبرة لا تعني أن الجميع ينظر إلى الاتجاه نفسه، ولا تعني أن اختلاف وجهات النظر يمكن أن يحل نفسه بنفسه.
دور المدير هنا هو أن يحدد الاتجاه، ويوضح الأولويات، ويضع المعايير التي يقاس عليها النجاح، ثم يمنح أصحاب الخبرة المساحة اللازمة لاستخدام معرفتهم في الوصول إلى النتائج.
وقد يكون الإصغاء في هذه المرحلة أهم من الكلام.
في الأسابيع الأولى، من المفيد أن يمنح المدير نفسه وقتًا لفهم تاريخ الفريق قبل أن يبدأ في تغيير كل شيء. فهناك أسباب وراء بعض الإجراءات، وهناك تجارب سابقة قد لا تظهر في التقارير، وهناك قرارات اتخذها أشخاص قبلك وأدت إلى نتائج ربما لا تعرف تفاصيلها بعد.
قد تجلس مع أحد أعضاء الفريق وتسأله ببساطة: ما أكثر مشكلة تتكرر هنا؟ وما الذي جربتموه من قبل؟ وما الذي تعتقد أنه كان يمكن عمله بصورة مختلفة؟
هذه الأسئلة لا تقلل من مكانتك كمدير، بل تكشف عن طريقة تفكيرك. فأنت لا تسأل لأنك عاجز عن اتخاذ القرار، وإنما لأنك تريد أن تتخذ قرارًا يستند إلى معلومات لا تملكها وحدك.
والأهم من السؤال هو ما تفعله بالإجابة.
إذا طلبت من فريقك أن يتحدث عن خبرته ثم تجاهلت ما يقوله، فلن يستمر في مشاركتك معرفته. أما إذا وجد أن رأيه يؤخذ بجدية، حتى عندما لا تتبنى كل ما يقوله، فسيتعامل معك باعتبارك شخصًا يريد الاستفادة من خبرته لا السيطرة عليها.
وهنا يمكن للمدير أن يحول أعضاء الفريق الأكثر خبرة من مجرد موظفين ينفذون المهام إلى مصدر حقيقي للمعرفة داخل الفريق.
لكن هناك جانب آخر لا يقل أهمية: لا تجعل احترام خبرة الفريق يمنعك من ممارسة دورك الإداري.
قد تكون أمام موظف لديه عشرون عامًا من الخبرة، لكن ذلك لا يعني أن كل قراراته صحيحة. وقد يكون أصغر أعضاء الفريق سنًا أو أقلهم خبرة صاحب فكرة أفضل في موقف معين. الخبرة تمنح صاحبها معرفة مهمة، لكنها لا تمنحه احتكار الصواب.
لذلك فإن التوازن مطلوب. احترم الخبرة، لكن لا تجعلها فوق النقاش. استمع، لكن لا تتنازل عن مسؤوليتك في اتخاذ القرار. امنح الفريق مساحة، لكن حافظ على وضوح الاتجاه والمعايير.
ومع مرور الوقت، ستكتشف أن اختلاف مستوى الخبرة بينك وبين فريقك ليس بالضرورة مشكلة تحتاج إلى التخلص منها. ربما تكون هذه الفجوة نفسها مصدر قوة إذا عرفت كيف تستخدمها.
أنت قد ترى ما لا يراه الفريق لأنك تنظر من زاوية مختلفة، وهم قد يرون تفاصيل لا تستطيع أنت رؤيتها لأنهم عاشوا العمل لسنوات. أنت قد تمتلك القدرة على الربط بين عمل الفريق والأهداف الأوسع للمؤسسة، بينما يمتلكون هم معرفة عملية لا يمكن اكتسابها من الاجتماعات والتقارير وحدها.
القائد الجيد لا يحاول إلغاء هذا الاختلاف، وإنما يجعله يعمل لصالح الفريق.
ومع الوقت، قد تتحول تلك الطاولة التي شعرت أمامها بالرهبة في صباحك الأول إلى واحدة من أهم مصادر قوتك. ليس لأنك أصبحت أكثر خبرة من الجميع، وإنما لأنك تعلمت كيف تستفيد من خبراتهم دون أن تتخلى عن دورك القيادي.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة الحقيقية في أن تكون أقلهم خبرة، وإنما في أن تظن أن القيادة تعني أن تكون أكثرهم معرفة.
فالمدير لا يحتاج إلى أن يحمل جميع الإجابات معه إلى غرفة الاجتماعات. يحتاج إلى أن يعرف كيف يطرح السؤال المناسب، وكيف يستمع إلى من يملك الخبرة، وكيف يميز بين الرأي والمعلومة، وكيف يحول اختلاف الخبرات إلى قرارات أفضل.
وعندما تصل إلى هذه المرحلة، لن يعود فارق السنوات بينك وبين فريقك هو السؤال الأهم. سيصبح السؤال الحقيقي هو: هل استطعت أن تجعل هذه الخبرات المختلفة تعمل معًا في اتجاه واحد؟
وهنا تبدأ القيادة الفعلية؛ عندما لا تحتاج إلى إثبات أنك تعرف أكثر منهم، بل تستطيع أن تجعل ما يعرفه كل واحد منهم جزءًا من نجاح الفريق كله.