لم يعد ينتظر الاتصال

كاتبه | رامي فلمبان
كان في السابق ينظر إلى هاتفه أكثر مما ينبغي. لم يكن لديه سبب واضح لذلك، لكنه كان يعرف في داخله أنه ينتظر اتصالًا معينًا. كان يستطيع أن يواصل يومه بصورة طبيعية، يذهب إلى عمله، يجلس مع أسرته، ينشغل ببعض الأمور، ثم يعود بين فترة وأخرى إلى هاتفه ليتأكد من أنه لم يفوّت شيئًا. لم يكن ينتظر مكالمة من جهة رسمية أو خبرًا عاجلًا، وإنما كان ينتظر صوت شخص بعينه.
في البداية، كان الانتظار يبدو طبيعيًا. ربما كان ذلك الشخص مشغولًا، وربما لم يجد وقتًا مناسبًا للاتصال، وربما كانت لديه أمور أخرى تشغله. كان الرجل يجد تفسيرًا لكل تأخير، ولم يكن يريد أن يحول الأمر إلى مشكلة. كان يقول لنفسه إن الناس لديهم ظروفهم، وإن العلاقات لا يمكن أن تسير دائمًا بالطريقة التي نريدها.
لكن الأيام بدأت تمر، وأصبح الاتصال الذي كان ينتظره يتأخر أكثر من المعتاد. لم يعد الأمر متعلقًا بمكالمة واحدة، بل أصبح نمطًا يتكرر. هو الذي كان يبادر بالسؤال أصبح أقل مبادرة، وهو الذي كان يجد دائمًا سببًا للاتصال بدأ يشعر بأن التواصل يأتي في الغالب من طرف واحد. وفي كل مرة كان يقرر ألا يبادر هذه المرة، كان يكتشف أنه بعد أيام عاد إلى هاتفه ينتظر من جديد.
الانتظار في العلاقات الإنسانية لا يكون متعبًا بسبب الوقت وحده، وإنما بسبب المعنى الذي نعطيه لذلك الوقت. عندما ينتظر الإنسان شخصًا يحبه، فإن الساعات لا تمر مجرد ساعات. يبدأ في التفكير فيما إذا كان الآخر مشغولًا، أو غاضبًا، أو تغيرت مشاعره، أو ربما لم يعد يرى العلاقة بالطريقة نفسها. ومع غياب الإجابة، يبدأ العقل في صناعة احتمالات كثيرة، وبعضها يكون أكثر قسوة من الواقع.
كان الرجل يعرف ذلك، لكنه لم يستطع منع نفسه من التفكير. لم يكن يريد أن يعترف بأن مكالمة واحدة أصبحت قادرة على تغيير مزاجه. كان يشعر أحيانًا بالارتياح عندما يرن الهاتف، ثم يصاب بخيبة صغيرة عندما يكتشف أن الاتصال من شخص آخر. ومع تكرار هذه التجربة، بدأ يفهم أن المشكلة لم تعد في المكالمة نفسها، وإنما في المكان الذي أعطاها إياه داخل حياته.
مرت فترة طويلة قبل أن يلاحظ التغير الحقيقي الذي حدث فيه. ذات مساء، وضع هاتفه على الطاولة وذهب لينام دون أن يتفقده كما كان يفعل في السابق. لم يكن قد اتخذ قرارًا بأن يتوقف عن الانتظار، ولم يقل لنفسه إنه لن يهتم بعد الآن. فقط لم يعد يشعر بالحاجة إلى معرفة ما إذا كان الاتصال سيأتي أم لا.
في اليوم التالي، استيقظ وبدأ عمله كالمعتاد. لم يفتح هاتفه بحثًا عن رسالة، ولم يتساءل عن سبب الصمت، ولم يحاول تفسيره. وفي تلك اللحظة أدرك أن شيئًا تغير داخله.
لم يعد ينتظر الاتصال
قد يبدو هذا التغير بسيطًا، لكنه في العلاقات قد يكون نتيجة سنوات من المحاولات والتوقعات والخيبات الصغيرة. فالإنسان لا يتوقف عن الانتظار في لحظة واحدة غالبًا، وإنما يصل إلى هذه المرحلة بعد أن يكتشف أن تكرار التوقع لا يغير النتيجة، وأن الاستمرار في مراقبة الهاتف لا يجعل الآخر أكثر قربًا.
وهنا لا يكون التوقف عن الانتظار بالضرورة دليلًا على انتهاء المحبة.
هذه نقطة مهمة؛ لأن الإنسان قد يعتقد أنه إذا توقف عن انتظار شخص ما، فهذا يعني أنه لم يعد يحبه. لكن المشاعر لا تعمل بهذه البساطة. يمكن للإنسان أن يحتفظ بمحبته لشخص، وأن يتمنى له الخير، وأن يتذكر معه سنوات جميلة، وفي الوقت نفسه يتوقف عن انتظار شيء لم يعد يأتي.
هناك فرق بين المحبة والانتظار.
المحبة شعور قد يبقى رغم تغير الظروف، أما الانتظار فهو تعلق باحتمال مستقبلي. عندما ينتظر شخص اتصالًا، فهو لا ينتظر مجرد رنين الهاتف، بل ينتظر إشارة تؤكد له أن مكانه ما زال محفوظًا في حياة الطرف الآخر. ولهذا قد يكون عدم الاتصال مؤلمًا أكثر من الصمت نفسه؛ لأنه يجعل الإنسان يتساءل عن مكانته بالنسبة إلى الشخص الذي ينتظره.
ومع الوقت، قد يتحول الانتظار إلى عادة. يصبح الإنسان معتادًا على مراجعة هاتفه، وعلى التفكير في مواعيد الاتصال، وعلى البحث عن معنى في كل رسالة قصيرة. وقد يبدأ في تعديل يومه بناءً على احتمال أن يتصل الشخص في أي لحظة. عندها لا يعود الانتظار مجرد تصرف عابر، بل يصبح جزءًا من طريقة الإنسان في قضاء يومه، فيبقى جزء من حياته معلقًا على تصرف لا يملكه.
عندما أدرك الرجل ذلك، بدأ يعيد ترتيب علاقته بالانتظار. لم يقل إن الشخص الآخر سيئ، ولم يقرر أن يمحو سنوات العلاقة من ذاكرته. لكنه قرر ألا يجعل يومه متوقفًا على مكالمة.
بدأ يخرج دون أن يفكر في هاتفه. جلس مع أسرته بصورة أكثر حضورًا. عاد إلى بعض الأشياء التي كان يحبها وتركها بسبب انشغاله المستمر بالتفكير. وعندما كان الهاتف يرن، أصبح يرد عندما يكون متاحًا، بدل أن يكون في حالة ترقب دائم.
المفارقة أن الحياة بدأت تصبح أكثر هدوءًا عندما توقف عن محاولة التحكم في شيء لا يستطيع التحكم فيه.
نحن نريد في كثير من الأحيان أن نعرف لماذا تغير شخص ما، ولماذا قل اتصاله، ولماذا أصبح أقل حضورًا في حياتنا. وقد تكون معرفة السبب مفيدة أحيانًا، خصوصًا إذا كانت العلاقة مهمة ويمكن إصلاحها من خلال الحوار. لكن ليس كل تغير يحتاج إلى تفسير كامل حتى نستطيع التعامل معه.
أحيانًا يتغير الناس، وتتغير ظروفهم، وتختلف أولوياتهم، وتتوسع مسؤولياتهم، وتدخل علاقات جديدة إلى حياتهم، وتخرج علاقات أخرى منها. وقد يكون هذا التغير مؤلمًا، لكنه جزء من التجربة الإنسانية. المشكلة تبدأ عندما نحاول إجبار علاقة قديمة على الاستمرار بالطريقة نفسها، رغم أن الطرفين لم يعودا الشخصين نفسيهما.
ولهذا فإن بعض العلاقات لا تنتهي بسبب خلاف واضح. قد لا تكون هناك مشاجرة، ولا كلمة جارحة، ولا موقف يمكن تحديده باعتباره نقطة النهاية. فقط يقل الاتصال قليلًا، ثم يقل أكثر، ثم تصبح الأخبار متباعدة، ثم يتحول الشخص الذي كان جزءًا من تفاصيل يومك إلى شخص تعرف عنه بعض الأشياء من بعيد.
هذا النوع من التغير قد يكون أصعب من النهاية الواضحة؛ لأنه لا يمنح الإنسان لحظة محددة يستطيع أن يقول فيها إن العلاقة انتهت. يظل هناك احتمال صغير بأن يعود كل شيء كما كان، وهذا الاحتمال هو الذي يجعل الانتظار يستمر.
لكن الإنسان في مرحلة ما يحتاج إلى أن يسأل نفسه:
هل أنا أعيش العلاقة كما هي، أم كما أتمنى أن تكون؟
قد يكون السؤال مؤلمًا، لكنه ضروري.
إذا أصبحت العلاقة في الواقع قائمة على المبادرة من طرف واحد، وكان أحد الأشخاص هو الذي يتصل ويسأل ويبحث ويحاول باستمرار، فقد يكون من المفيد أن يتوقف قليلًا ليرى ماذا سيحدث. ليس بهدف اختبار الطرف الآخر أو معاقبته، وإنما بهدف رؤية طبيعة العلاقة بعيدًا عن الجهد الذي يبذله هو.
فالعلاقة المتوازنة لا يفترض أن تقوم على مطاردة أحد طرفيها للآخر باستمرار حتى تبقى موجودة.
ومع ذلك، فإن التوقف عن الانتظار لا يعني أن الإنسان يجب أن يتحول إلى شخص قاسٍ أو بارد. يمكنه أن يترك الباب مفتوحًا دون أن يقف أمامه طوال الوقت. إذا اتصل الشخص يومًا، يمكنه أن يجيب. وإذا عاد الحديث بصورة طبيعية، يمكنه أن يمنح العلاقة فرصة. لكن الفرق أنه لم يعد يعيش كل يوم منتظرًا تلك اللحظة.
وهذا التغير يمنح الإنسان قدرًا من الحرية.
أن تحب شخصًا دون أن تنتظر منه إثباتًا مستمرًا لحبه، وأن تحترم شخصًا دون أن تجعل اهتمامه معيارًا لقيمتك، وأن تتذكر علاقة قديمة دون أن تجعلها تمنعك من بناء حياتك الحالية؛ كلها صور من النضج العاطفي الذي يأتي غالبًا بعد تجارب لم تكن سهلة.
وقد يكتشف الإنسان أيضًا أن بعض ما كان ينتظره لم يكن الاتصال نفسه، وإنما الشعور الذي كان يتخيله وراء الاتصال. كان يريد أن يشعر بأنه مهم، وأنه ما زال حاضرًا في ذاكرة الآخر، وأن العلاقة التي كانت بينهما لم تصبح بلا معنى. وعندما يفهم ذلك، يستطيع أن يبحث عن هذا الشعور بطريقة أكثر توازنًا، بدل أن يربطه بشخص واحد.
فالإنسان يحتاج إلى أن يشعر بقيمته، لكن قيمته لا ينبغي أن تكون معلقة على هاتف شخص آخر.
قد يتصل بك شخص اليوم ولا يتصل غدًا. قد يهتم بك في فترة وينشغل في فترة أخرى. وقد تستمر علاقة سنوات ثم تتغير طبيعتها. كل ذلك يمكن أن يحدث دون أن يعني أنك أصبحت أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للاهتمام.
ربما لهذا كان توقف الرجل عن انتظار الاتصال بداية مختلفة في حياته. لم يكن انتصارًا على شخص آخر، ولم يكن إعلانًا عن القطيعة. كان مجرد عودة إلى نفسه بعد فترة طويلة من وضع جزء من يومه في يد شخص آخر.
وبمرور الوقت، أصبح الهاتف بالنسبة إليه مجرد وسيلة للتواصل، وليس مكانًا ينتظر فيه إجابات عن أسئلة كثيرة.
لم يعد يراقب الشاشة عندما يتأخر أحدهم. لم يعد يفسر كل صمت. ولم يعد يقضي المساء في التفكير فيما إذا كان يجب أن يبادر أو ينتظر. وإذا أراد الاتصال بشخص يحبه، كان يتصل لأنه يريد الحديث معه، لا لأنه يريد التأكد من أنه ما زال مهمًا لديه.
وهذا فرق كبير: أن تتواصل لأنك ترغب في التواصل، لا لأنك تخشى أن تنساك العلاقة.
قد لا يكون الوصول إلى هذه المرحلة سهلًا. فالإنسان بطبيعته يتعلق بالأشخاص والذكريات، وبعض العلاقات تحمل تاريخًا طويلًا يجعل التخلي عن التوقعات أمرًا صعبًا. لكن النضج لا يعني أن نتوقف عن الحب، وإنما أن نتعلم كيف نحب دون أن نفقد توازننا.
وفي بعض الأحيان، لا يحتاج الإنسان إلى إنهاء علاقة حتى يتوقف عن انتظارها بالشكل القديم. يكفي أن يقبل أنها تغيرت.
ربما لن تعود المكالمات كما كانت، وربما لن يعود ذلك الشخص إلى تفاصيل الحياة اليومية، وربما تستمر العلاقة ولكن بصورة أقل قربًا. قبول هذه الحقيقة قد يكون مؤلمًا في البداية، لكنه أكثر راحة من إنكارها كل يوم.
لقد أمضى الرجل وقتًا طويلًا ينظر إلى هاتفه، ثم اكتشف أن حياته كانت تمر أمامه بينما كان ينتظر حياة أخرى تأتي من خلال مكالمة. وعندما توقف عن الانتظار، لم يحدث شيء استثنائي. لم تتغير الدنيا، ولم يصبح أكثر سعادة في يوم واحد، ولم تختفِ الذكريات. لكنه شعر بأن شيئًا بسيطًا عاد إليه: وقته.
وهذا ربما هو أهم ما يخسره الإنسان عندما يعيش طويلًا في انتظار شخص أو خبر أو اعتذار أو اتصال. لا يخسر الوقت فقط، وإنما يخسر جزءًا من حضوره في حياته الحالية.
فالذين نحبهم لهم مكانتهم، والعلاقات تستحق الاهتمام، لكن الحياة لا ينبغي أن تتوقف عند باب شخص قرر ألا يطرقه.
قد يأتي الاتصال، وقد لا يأتي، وقد تعود العلاقة، وقد تبقى مجرد ذكرى. وفي الحالتين، يستطيع الإنسان أن يكمل حياته دون أن يحمل في داخله غضبًا أو مرارة. يكفي أن يعرف أن ما كان يستطيع فعله قد فعله، وأنه لم يعد بحاجة إلى أن يثبت قيمته من خلال انتظار اهتمام لا يملكه.
وفي لحظة ما، يصبح الهاتف هادئًا، ولا يعود ذلك الهدوء مؤلمًا كما كان، ليس لأن الإنسان لم يعد يشعر، وإنما لأنه تعلم أن بعض الإجابات لا تأتي من الطرف الآخر، وبعضها يأتي عندما نتوقف عن الانتظار.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان