عندما تكون أقلهم خبرة بالمكان

كاتبه | رامي فلمبان
تخيل أنك تخطو خطواتك الأولى داخل قاعة اجتماعات واسعة، بينما يجلس حول الطاولة أشخاص قضوا سنوات طويلة في هذا المجال. كل واحد منهم يعرف تفاصيل المكان، ويفهم طبيعة العمل، ويملك من الخبرة ما يجعلك تشعر أنك الشخص الأقل معرفة بينهم.
في مثل هذه اللحظة، قد يكون أول ما تفكر فيه هو أن تحاول إخفاء هذا الشعور. تتحدث أقل مما ينبغي، أو تتجنب السؤال حتى لا يبدو أنك لا تعرف، وربما تحاول أن تتصرف وكأنك تفهم كل شيء.
كنت أعتقد في فترة من حياتي أن وجودي بين أشخاص أكثر خبرة يعني أن عليّ أن أثبت أنني أستحق أن أكون بينهم. لكنني اكتشفت مع الوقت أنني كنت أنظر إلى الأمر من الزاوية الخطأ.
أن تكون الأقل خبرة لا يعني أنك الأقل قيمة
كل شخص تراه اليوم خبيرًا في مجاله مرّ في مرحلة كان فيها جديدًا على المكان، قليل الخبرة، ويطرح أسئلة ربما بدت له في ذلك الوقت بسيطة.
الخبرة لا تأتي دفعة واحدة. تتشكل من سنوات من العمل، ومن مواقف نجح فيها الإنسان، وأخرى أخطأ فيها، وقرارات اكتشف لاحقًا أنه كان يمكن أن يتخذها بطريقة مختلفة.
ولهذا فإن مقارنة بدايتك بخبرة شخص أمضى سنوات في المجال ليست مقارنة عادلة أصلًا.
لكن الأمر لا يتوقف هنا.
فالشخص الجديد في المكان يملك أحيانًا ميزة لا ينتبه إليها: أنه يرى الأشياء قبل أن تصبح مألوفة بالنسبة إليه.
من يعمل في المكان سنوات طويلة قد يعتاد طريقة معينة في العمل إلى درجة أنه يتوقف عن التساؤل عنها. تصبح بعض الإجراءات طبيعية، وبعض المشكلات جزءًا من المشهد اليومي، حتى لو كانت تحتاج إلى مراجعة.
أما الشخص الذي جاء حديثًا، فقد ينظر إليها ويسأل ببساطة: لماذا نفعل ذلك بهذه الطريقة؟
وقد يكون السؤال بسيطًا، لكنه يفتح بابًا لم يكن أحد يفكر في فتحه.
في البداية كنت أراقب أكثر مما أتكلم
لذلك بدأت أتعامل مع وجودي بين أصحاب الخبرة بطريقة مختلفة.
بدل أن أحاول منافستهم في المعرفة، بدأت أراقبهم.
كنت ألاحظ كيف يتعامل المدير الخبير مع نقاش حاد داخل الاجتماع، وكيف يتعامل مع اعتراض أحد الزملاء، وكيف يستمع إلى عميل غاضب، ومتى يتدخل في النقاش ومتى يترك الآخرين يتحدثون.
كنت أراقب أيضًا طريقة طرح الأفكار، وكيف تُبنى الحجج، وكيف يمكن لجملة قصيرة في الوقت المناسب أن تكون أكثر تأثيرًا من حديث طويل.
لم أكن أتعامل مع ذلك على أنه مجرد مراقبة لشخص أكثر خبرة مني، بل كنت أتعلم منه طريقة التفكير نفسها.
وهذه مرحلة مهمة لا ينتبه إليها كثير من الناس. أحيانًا لا يكون دورك في البداية أن تثبت ما تعرفه، وإنما أن تفهم المكان الذي دخلته.
فالاستماع الجيد لا يعني أنك أقل من الآخرين، كما أن الصمت في بعض المواقف لا يعني أنك لا تملك ما تقوله.
ثم بدأت أطرح أسئلة تبدو بسيطة
مع مرور الوقت، بدأت أشارك بصورة أكبر.
لم أحاول أن أطرح أسئلة معقدة حتى أثبت أنني أفهم. على العكس، وجدت أن أكثر الأسئلة فائدة كانت أحيانًا تلك التي تعيد النقاش إلى أساسه.
كنت أقول مثلًا:
«هل يمكننا العودة خطوة إلى الوراء وتبسيط هذا الموضوع إلى عناصره الأساسية؟»
أو:
«ما المشكلة الجذرية التي نحاول حلها هنا بعيدًا عن كل هذه التفاصيل؟»
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى سنوات من الخبرة حتى تُطرح، لكنها تحتاج إلى شخص لا يخشى أن يقول: لحظة، هل نحن نناقش المشكلة الحقيقية أصلًا؟
وأحيانًا كان السؤال يغيّر مسار النقاش.
ليس لأن الشخص الذي طرحه كان أكثر خبرة من الجميع، وإنما لأنه نظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا: وجودك في غرفة مليئة بالخبراء لا يعني أن عليك أن تعرف أكثر منهم، بل يعني أن لديك فرصة لتتعلم منهم، وربما تضيف شيئًا لا يرونه لأنهم اعتادوا النظر إلى الأمور من الداخل.
الخبرة تحتاج إلى عين جديدة أحيانًا
مع ذلك، لم أعد أتعامل مع الخبرة باعتبارها حقيقة لا تُناقش.
فالخبرة تمنح الإنسان معرفة عميقة، لكنها لا تعني أن كل قرار اتخذه في الماضي كان صحيحًا، ولا أن كل طريقة اعتاد عليها يجب أن تستمر إلى الأبد.
وهنا تظهر قيمة الجمع بين الخبرة والنظرة الجديدة.
صاحب الخبرة يعرف لماذا حدثت بعض الأمور، وما الذي جُرّب من قبل، وما الأخطاء التي يجب تجنبها. أما الشخص الجديد فقد يرى ما لم يعد الآخرون ينتبهون إليه بسبب اعتيادهم عليه.
عندما يجتمع الاثنان بطريقة صحيحة، لا تصبح المسألة منافسة بين القديم والجديد، وإنما تعاون بين ما نعرفه وما يمكن أن نراه بطريقة مختلفة.
وهذا ما جعلني أعيد النظر في فكرة كنت أحملها منذ البداية: لم يكن المطلوب مني أن أتصرف وكأنني أعرف كل شيء حتى أحصل على احترام الآخرين.
كان المطلوب أن أكون صادقًا مع مستوى خبرتي، وأن أتعلم، وأن أطرح السؤال عندما أحتاج إلى فهم، وأن أضيف رأيي عندما أرى أن لدي شيئًا يستحق أن يُقال.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ أن الفجوة التي كنت أشعر بها بيني وبين أصحاب الخبرة تضيق شيئًا فشيئًا.
لم أتحول فجأة إلى خبير، ولم تختفِ الفروق بين سنوات التجربة، لكنني أصبحت أعرف المكان أكثر، وأفهم طريقة العمل، وأمتلك قدرة أكبر على قراءة المواقف والتعامل معها.
والأهم من ذلك أنني لم أعد أشعر أن كوني الأقل خبرة هو مشكلة يجب إخفاؤها.
أصبح جزءًا من مرحلتي في التعلم.
عندما تعرف كيف تتعلم من المكان
ربما يكون أصعب شيء عندما تدخل مكانًا جديدًا هو أن تتوقف عن محاولة إثبات نفسك في كل لحظة.
ليس مطلوبًا منك أن تعرف كل الإجابات، ولا أن تنافس الأشخاص الذين سبقوك بسنوات، ولا أن تتحدث في كل اجتماع حتى يلاحظ الآخرون وجودك.
أحيانًا يكون أفضل ما يمكنك فعله أن تنصت جيدًا، وتراقب، وتسأل عندما تحتاج إلى السؤال، وتحتفظ بما تعلمته حتى يأتي الوقت الذي تستطيع فيه أن تضيف شيئًا حقيقيًا.
وبعد فترة، ستكتشف أن المكان الذي دخلته وأنت تشعر بأنك الأقل خبرة، بدأ يصبح مكانًا تعرفه أنت أيضًا.
ستعرف الأشخاص، وتفهم التفاصيل، وتقرأ المواقف بطريقة مختلفة، وربما يأتي يوم يجلس فيه شخص جديد إلى جانبك ويشعر بما شعرت به أنت في البداية.
عندها ستدرك أن الخبرة لم تكن يومًا مسابقة في معرفة من يعرف أكثر، وإنما رحلة طويلة يتعلم فيها الإنسان من المكان، ومن الأشخاص، ومن أخطائه، ومن الأسئلة التي لم يكن يجرؤ على طرحها في البداية.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنك لا تحتاج إلى أن تصل إلى مرحلة تعرف فيها كل شيء.
يكفي أن تدخل المكان كل مرة وأنت تعرف شيئًا لم تكن تعرفه عندما دخلته أول مرة.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان