كاتبه | رامي فلمبان
لم يكتشف ذلك في يوم واحد، ولم تكن هناك لحظة واضحة يستطيع أن يقول بعدها إن حياته تغيرت. كان الأمر أقرب إلى شعور بدأ يتكرر في داخله كلما انتهى يوم طويل. يعود إلى منزله بعد ساعات من العمل، يتحدث مع أسرته، يجيب عن بعض الرسائل، يتابع ما يحتاج إليه الآخرون، ثم يجلس وحده قليلًا. وفي تلك اللحظة تحديدًا كان يشعر بشيء لا يعرف كيف يسميه. لم يكن حزينًا بالمعنى المباشر، ولم تكن حياته خالية من الأشياء الجيدة، لكنه كان يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا لا يعرف مكانه.
لم يكتشف ذلك في يوم واحد، ولم تكن هناك لحظة واضحة يستطيع أن يقول بعدها إن حياته تغيرت. كان الأمر أقرب إلى شعور بدأ يتكرر في داخله كلما انتهى يوم طويل. يعود إلى منزله بعد ساعات من العمل، يتحدث مع أسرته، يجيب عن بعض الرسائل، يتابع ما يحتاج إليه الآخرون، ثم يجلس وحده قليلًا. وفي تلك اللحظة تحديدًا كان يشعر بشيء لا يعرف كيف يسميه. لم يكن حزينًا بالمعنى المباشر، ولم تكن حياته خالية من الأشياء الجيدة، لكنه كان يشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا لا يعرف مكانه.
كان كل شيء في حياته يبدو مرتبًا من الخارج. لديه عمل، ومسؤوليات، وأشخاص يعتمدون عليه، وقرارات يتخذها، والتزامات يحاول الوفاء بها. كان بالنسبة إلى من حوله شخصًا يمكن الاعتماد عليه، ولذلك اعتاد الجميع أن يسألوه عما يحتاجون إليه، وأن يرجعوا إليه عندما يريدون رأيًا أو مساعدة أو قرارًا. وكان هو أيضًا معتادًا على الاستجابة. لم يكن يحب أن يخذل أحدًا، وكان يشعر بالرضا عندما يستطيع أن يقدم شيئًا للآخرين.
لكن مع مرور السنوات بدأ يلاحظ أنه يعرف ما يريده الجميع تقريبًا، باستثناء نفسه.
كان يعرف ما الذي يفضله أفراد أسرته، وما الذي يحتاج إليه زملاؤه، وما الذي يتوقعه منه أصدقاؤه، وما الذي يجب أن يفعله حتى لا يغضب أحد أو يشعر بالخيبة. لكنه عندما سأل نفسه ذات مساء عن الشيء الذي يريده هو، لم يجد إجابة واضحة.
لم تكن المشكلة أنه لم يكن لديه طموح. على العكس، كان قد حقق بعض الأشياء التي كان يتمنى الوصول إليها في وقت سابق من حياته. لكن كثيرًا من قراراته لم تكن نابعة من رغبة واضحة بقدر ما كانت استجابة لما يعتقد أن الآخرين ينتظرونه منه. اختار بعض المسارات لأنها تبدو مناسبة، واستمر في بعضها لأنه لا يريد أن يخيب توقعات أشخاص يحبهم، ووافق على أمور كثيرة لأنه اعتاد أن يكون الشخص الذي يقول نعم.
في البداية كان يرى ذلك أمرًا طبيعيًا. الإنسان يعيش وسط الآخرين، ومن الطبيعي أن يراعي أسرته ويهتم بمن حوله ويتحمل مسؤولياته. لكن الفرق بين المسؤولية وبين فقدان الذات لا يظهر دائمًا بسهولة. قد يبدأ الإنسان في التضحية ببعض رغباته من أجل الآخرين، ثم تتحول التضحية إلى عادة، ثم تصبح العادة أسلوب حياة، حتى يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على التمييز بين ما اختاره بإرادته وما اختاره لأنه خاف من رفض الآخرين.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان لنفسه فقط، ولا أن يتجاهل أسرته أو مسؤولياته حتى يحقق رغباته. الحياة بطبيعتها تقوم على العلاقات والالتزامات، والإنسان يحتاج إلى أن يعطي كما يحتاج إلى أن يأخذ. لكن هناك فرقًا بين أن يكون الإنسان حاضرًا من أجل الآخرين وبين أن تصبح حياته كلها مبنية على إرضائهم.
الشخص الذي يعيش بهذه الطريقة قد يبدو سعيدًا في كثير من الأحيان، لأنه يحصل على تقدير مستمر من المحيطين به. يسمع كلمات الشكر، ويشعر بأنه مهم، ويجد نفسه مطلوبًا في كثير من المواقف. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح تقدير الآخرين هو المصدر الأساسي لشعوره بقيمته. عندها يصبح رفض طلب ما أمرًا صعبًا، والتعبير عن رأي مختلف مصدرًا للقلق، واختيار طريق لا يوافق عليه الآخرون قرارًا يحتاج إلى شجاعة كبيرة.
كان الرجل قد اعتاد طوال سنوات أن يضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاته. وإذا كان لديه وقت فراغ، بحث عن شيء يحتاجه شخص آخر. وإذا كان لديه مبلغ إضافي، فكر في مسؤولية يمكن أن يسددها. وإذا أراد أن يذهب إلى مكان يحبه، وجد سببًا لتأجيل الأمر. لم يكن أحد يجبره على ذلك بالضرورة، لكنه كان يفعل كل شيء بصورة تلقائية، حتى أصبح من الصعب عليه أن يتخيل حياته بطريقة مختلفة.
وفي إحدى المرات، دار بينه وبين شخص قريب منه حديث عادي حول المستقبل. سأله الطرف الآخر: «ماذا تريد أن تفعل خلال السنوات القادمة؟»
السؤال كان بسيطًا، لكنه بقي في ذهنه طويلًا.
لم يستطع أن يجيب بسرعة. بدأ يتحدث عن أسرته، وعن العمل، وعن بعض الالتزامات التي يريد إنهاءها، ثم توقف. أدرك أنه كان يجيب عن حياة الآخرين، وليس عن حياته. يعرف ما يريد أن يحدث لمن حوله، لكنه لا يعرف بالضبط ما الذي يريد أن يحدث له.
كانت تلك اللحظة بداية فهم جديد بالنسبة إليه.
اكتشف أنه لم يكن يعيش حياة لا يحبها بالضرورة، لكنه كان يعيشها بالطريقة التي اعتاد الآخرون توقعها منه. وكان هناك فرق كبير بين الأمرين. قد يكون الإنسان راضيًا عن جزء كبير من حياته، لكنه يحتاج إلى أن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: هل هذه الأشياء اخترتها فعلًا؟ أم أنني اخترتها لأنني اعتقدت أن هذا هو الطريق الصحيح في نظر الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تعني التمرد على الأسرة أو المجتمع، ولا تعني أن كل توقعات الآخرين خاطئة. أحيانًا يقدم لنا الأشخاص الذين يحبوننا نصائح مهمة، وقد يرون فينا أشياء لا نستطيع رؤيتها بأنفسنا. لكن المشكلة تحدث عندما نتوقف عن اتخاذ قراراتنا، ونبدأ في اتخاذها خوفًا من أحكام الآخرين.
قد يختار شخص تخصصًا دراسيًا لأنه المجال الذي تريده عائلته، ثم يعمل في وظيفة لا يحبها لأنه لا يريد أن يخيب توقعاتهم. وقد يستمر في وظيفة مرهقة لسنوات لأنه يخشى أن يقال عنه إنه لم ينجح. وقد يتخلى عن هواية يحبها لأنها تبدو غير مهمة في نظر الآخرين. وقد يوافق على نمط حياة لا يناسبه فقط لأنه لا يريد أن يشعر بأنه مختلف.
ومع الوقت، قد يحصل على كل ما يعتبره الناس نجاحًا، لكنه يشعر بأنه لم يكن حاضرًا في بناء هذه الحياة.
وهذا الإحساس لا يظهر دائمًا في صورة أزمة واضحة. أحيانًا يظهر في الملل، أو فقدان الحماس، أو الشعور بأن الأيام تتشابه، أو عدم القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي كان الإنسان يحبها. وقد يبدأ في التساؤل عن سبب شعوره بالتعب رغم أن حياته تبدو جيدة من الخارج.
في كثير من الحالات، لا يحتاج الإنسان إلى تغيير حياته بالكامل. يحتاج أولًا إلى أن يستعيد علاقته بنفسه. أن يتوقف قليلًا ويسأل عن الأشياء التي يريدها فعلًا، بعيدًا عن الضغوط والتوقعات. قد يكتشف أنه يحب عمله لكنه يحتاج إلى حدود أفضل، أو أنه يحب أسرته لكنه يحتاج إلى وقت خاص به، أو أنه يريد تطوير مهارة أهملها، أو أنه يرغب في خوض تجربة جديدة ظل يؤجلها لسنوات.
الأمر لا يتعلق بالأنانية، بل بالتوازن.
فالإنسان الذي يهتم بنفسه بصورة صحية يكون غالبًا أكثر قدرة على الاهتمام بالآخرين دون أن يشعر بالاستنزاف المستمر. أما الذي يعطي طوال الوقت دون أن يترك لنفسه مساحة، فقد يصل في مرحلة ما إلى الشعور بالضيق تجاه الأشخاص الذين كان يحاول إرضاءهم، مع أن المشكلة لم تكن فيهم وحدهم، وإنما في الحدود التي لم يضعها منذ البداية.
وهنا تظهر أهمية كلمة «لا». ليست كل «لا» رفضًا للآخرين، وليست كل موافقة دليلًا على المحبة. أحيانًا تكون «لا» وسيلة لحماية الوقت والطاقة والقدرة على الاستمرار. عندما يرفض الإنسان أمرًا لا يستطيع تحمله، فإنه لا يصبح شخصًا سيئًا، بل يصبح أكثر وضوحًا في علاقته بنفسه وبالآخرين.
كان اكتشاف الرجل أنه يعيش للآخرين فرصة لإعادة النظر، وليس دعوة إلى هدم كل شيء. بدأ بتغييرات صغيرة في طريقة تعامله مع يومه. أصبح يسأل نفسه قبل الموافقة على بعض الأمور إذا كان يستطيع فعلها فعلًا، وما إذا كان يريدها، وما إذا كانت ضرورية. بدأ يخصص وقتًا لأشياء كان يؤجلها باستمرار، ليس لأنها تحقق له منفعة مباشرة، وإنما لأنها تمنحه شعورًا بأنه يعيش جزءًا من حياته لنفسه.
كما بدأ يتقبل أن بعض الأشخاص قد لا يعجبهم تغيره. وهذه ربما كانت أصعب مرحلة. عندما يعتاد الآخرون على شخص دائم الموافقة، فإن أول محاولة لوضع حدود قد تبدو لهم تغيرًا غير مبرر. وقد يسألون عن سبب رفضه بعدما كان يوافق دائمًا. وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يفهم أن تغيره لا يعني بالضرورة أنه أساء إلى الآخرين.
لا يمكن للإنسان أن يبني حياة كاملة فقط حتى يتجنب خيبة الآخرين.
فالآخرون لديهم تصوراتهم عن الحياة، ونحن أيضًا لدينا حق في أن تكون لنا تصوراتنا. قد يختلف شخص معك في قرارك، وقد لا يفهم سبب اختيارك، وقد يرى أن طريقًا آخر أفضل لك. لكن احترامه لا يعني أن تسلمه حق اختيار حياتك.
ومع ذلك، فإن العودة إلى الذات لا تعني تجاهل أثر قراراتنا على من حولنا. النضج الحقيقي هو أن نوازن بين رغباتنا ومسؤولياتنا، وأن نعرف متى نقدم تنازلًا لأن الموقف يستحق، ومتى نتمسك باختيارنا لأن التخلي عنه يعني التخلي عن جزء مهم من أنفسنا.
بعد فترة، بدأ الرجل يشعر بتغير لم يكن يبحث عنه في البداية. لم تصبح حياته مثالية، ولم تختفِ مسؤولياته، ولم يتوقف عن مساعدة الآخرين. لكنه أصبح أكثر وعيًا بسبب قيامه بالأشياء. عندما يساعد شخصًا، يفعل ذلك لأنه يريد المساعدة ويستطيعها، وليس لأنه يخشى أن يرفض. وعندما يوافق على أمر، يكون أكثر اقتناعًا به. وعندما يعتذر عن شيء لا يستطيع القيام به، لا يقضي بقية يومه في تأنيب نفسه.
الأهم من ذلك أنه أصبح يعرف نفسه بصورة أفضل.
وهذا ربما يكون أحد أصعب الأمور التي يمكن أن يصل إليها الإنسان. معرفة النفس لا تعني أن يعرف الإنسان كل ما يريده طوال الوقت، وإنما أن يصبح قادرًا على التمييز بين رغباته الحقيقية وبين الأصوات التي تراكمت داخله عبر سنوات من التوقعات الاجتماعية والعائلية والمهنية.
قد نكتشف أحيانًا أن بعض الأحلام التي كنا نعتقد أنها أحلامنا لم تكن كذلك. وقد نكتشف أن بعض الأشياء التي سعينا إليها سنوات لم تعد مهمة بالنسبة إلينا. وقد نجد أن ما نحتاجه ليس إنجازًا جديدًا، وإنما حياة أكثر اتزانًا.
وهذه ليست خسارة، إنها معرفة متأخرة، لكنها مهمة.
فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن الآخرين، لكنه أيضًا ليس موجودًا فقط لتحقيق توقعاتهم. من حقه أن يكون له رأي، ووقت، واهتمامات، وحدود، وأحلام تتغير مع مراحل عمره. ومن حقه أن يعيد النظر في بعض الخيارات دون أن يعتبر ذلك فشلًا.
ربما كان أكثر ما أدهش الرجل في النهاية أنه لم يكن يحتاج إلى أن يختار بين نفسه والآخرين كما كان يتخيل. كان يستطيع أن يهتم بأسرته وأن يحتفظ بوقته، وأن يكون مسؤولًا وأن يكون له طموحه الخاص، وأن يساعد الآخرين دون أن يجعل حياته كلها مشروعًا لإرضائهم.
اكتشف فقط أن الحياة المتوازنة لا تقوم على سؤال: «ماذا يريد الآخرون مني؟» وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: «ماذا أريد أنا؟»
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه بالنسبة إلى شخص قضى سنوات طويلة يعيش وفق توقعات الآخرين قد يكون بداية مرحلة جديدة تمامًا.
لأن الإنسان عندما يعرف ما يريده، يصبح قادرًا على أن يعطي الآخرين بصورة أكثر صدقًا. وعندما يعرف حدوده، تصبح علاقاته أكثر وضوحًا. وعندما يتوقف عن محاولة إرضاء الجميع، يبدأ في فهم أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الرفض، وأن عدم موافقة الآخرين على كل اختياراته لا يعني أنه يسير في الطريق الخطأ.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة أن الإنسان يعيش من أجل الآخرين، فالآخرون جزء أساسي من حياته، وإنما المشكلة أن يعيش بينهم وينسى أنه واحد منهم أيضًا؛ له احتياجاته وأفكاره ووقته وأسئلته.
وقد يكون اكتشاف ذلك متأخرًا أفضل من ألا يكتشفه أبدًا.
لأن السنوات التي مضت لا يمكن استعادتها، لكن السنوات القادمة لا تزال قابلة لأن تكون أكثر صدقًا.