كاتبه | رامي فلمبان
في عالم تتسارع فيه الحياة وتزداد فيه المنصات التي تعرض لنا صورًا متواصلة من الرفاهية والنجاح، أصبح من السهل أن نعتقد أن الثروة يمكن أن تأتي بسرعة أكبر مما تأتي عليه في الواقع. يكفي أن نرى شخصًا يتحدث عن صفقة ناجحة، أو مشروع بدأ من الصفر، أو استثمار حقق عائدًا كبيرًا، حتى يبدأ السؤال في أذهاننا: لماذا لا أستطيع أن أفعل الشيء نفسه؟
المشكلة ليست في الرغبة في تحسين الوضع المالي. هذه رغبة طبيعية ومشروعة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة إلى استعجال، وعندما يصبح الإنسان مستعدًا لتصديق أي وعد يقدم له طريقًا مختصرًا إلى المال. عندها تصبح الإعلانات والمحتوى المتداول أكثر تأثيرًا، خصوصًا عندما تُعرض النتائج دون أن نرى السنوات أو المحاولات أو الخسائر التي سبقتها.
الثراء السريع يبدو جذابًا لأنه يقدم نتيجة كبيرة دون أن يظهر لنا ثمن الوصول إليها. قد نرى شخصًا يتحدث عن مبلغ حققه خلال فترة قصيرة، لكننا لا نعرف بالضرورة حجم رأس ماله، ولا المخاطر التي تحملها، ولا ما إذا كانت النتيجة قابلة للتكرار، ولا ما إذا كانت القصة المعروضة تمثل كامل تجربته. أحيانًا تكون النتيجة حقيقية، لكن تحويل تجربة استثنائية إلى قاعدة عامة هو الجزء المضلل في القصة.
وهذا ما يجعل بعض المبتدئين يطاردون الفرص التي تبدو أسرع من غيرها. يبدأ البحث عن الاستثمار الذي يمكن أن يضاعف المال في وقت قصير، أو المشروع الذي لا يحتاج إلى خبرة، أو الدورة التي تعد بنتائج كبيرة خلال فترة محدودة. وكلما كان الوعد أكبر وأسهل، أصبح من المهم أن يتوقف الإنسان ويسأل: من أين سيأتي هذا العائد؟ وما المخاطر التي لا تظهر في الإعلان؟ وما الذي سيحدث إذا لم تتحقق النتيجة المتوقعة؟
في بعض الحالات يكون الوعد مجرد تسويق مبالغ فيه، وفي حالات أخرى قد يكون وراءه نشاط احتيالي أو نموذج لا يستند إلى أساس اقتصادي سليم. كما أن بعض المضاربات والأسواق عالية التقلب قد تحقق مكاسب كبيرة لبعض المشاركين، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة للخسارة. لذلك لا يكفي أن نسمع عن شخص نجح في تحقيق عائد مرتفع؛ المهم أن نفهم طبيعة المخاطرة التي كانت وراء ذلك العائد، وهل تتناسب أصلًا مع ظروفنا وقدرتنا على تحمل الخسارة.
ومع ذلك، ليس صحيحًا أن كل نجاح سريع وهم، أو أن كل شخص حقق ثروة خلال فترة قصيرة كان يبحث عن طريق مختصر. بعض الأعمال تنمو بسرعة بسبب فكرة مناسبة أو توقيت جيد أو سوق متعطش لمنتج معين، وبعض الاستثمارات قد تحقق نتائج قوية في فترات معينة. لكن وجود هذه الحالات لا يعني أنها قابلة للتكرار بالطريقة نفسها من شخص إلى آخر. هنا تحديدًا ينبغي أن نفرق بين إمكانية حدوث النتيجة وبين إمكانية الاعتماد عليها.
المشكلة الأخرى أن انتظار القفزة الكبيرة يجعل الإنسان يقلل من قيمة الخطوات الصغيرة. قد يرى الادخار الشهري محدودًا، أو تطوير مهارة جديدة بطيئًا، أو بناء مشروع تدريجيًا أمرًا غير مثير، لأنه يقارنه بقصص المكاسب السريعة التي يشاهدها يوميًا. ومع الوقت قد يصبح غير صبور مع أي نتيجة تحتاج إلى سنوات، رغم أن التراكم هو أحد أهم العوامل التي تجعل النتائج الصغيرة ذات قيمة عندما تستمر لفترة طويلة.
والبناء المالي لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون مثيرًا حتى يكون مفيدًا. قد يبدأ بتحسين إدارة الدخل، وتقليل الإنفاق غير الضروري، وبناء احتياطي مناسب، وتعلم أساسيات الاستثمار، وتطوير المهارات التي تزيد القدرة على الكسب. هذه الأمور لا تصلح عادة كعنوان جذاب لإعلان يعد بالثراء خلال أسابيع، لكنها تساعد الإنسان على بناء قاعدة مالية أكثر قدرة على تحمل تغير الظروف.
كما أن المعرفة نفسها تحتاج إلى وقت. المبتدئ الذي يدخل عالم الاستثمار أو الأعمال لا يستطيع أن يختصر سنوات من التجربة بمجرد مشاهدة عدد من المقاطع أو قراءة قصة نجاح واحدة. يمكنه أن يتعلم بسرعة بعض المبادئ الأساسية، وأن يتجنب أخطاء واضحة، لكن الخبرة في فهم المخاطر واتخاذ القرارات المناسبة تتكون تدريجيًا، من خلال الدراسة والممارسة ومراجعة النتائج.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كيف أصبح ثريًا بسرعة؟ بل: ما الذي أستطيع أن أبنيه بطريقة يمكنني الاستمرار فيها؟
قد تكون الإجابة مختلفة من شخص إلى آخر. بالنسبة لأحدهم قد تكون في تطوير مهارة ترفع دخله، وبالنسبة لآخر في تأسيس مشروع، وبالنسبة لشخص ثالث في بناء محفظة استثمارية تتناسب مع أهدافه وقدرته على تحمل المخاطر. لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع، ولا يوجد عائد كبير بلا مخاطرة أو شروط.
وربما تكون المشكلة في خرافة الثراء السريع أنها تجعل الإنسان ينظر إلى الطريق الطويل باعتباره فشلًا، بينما قد يكون البطء أحيانًا هو ما يسمح له ببناء شيء يستطيع الاحتفاظ به. المال الذي يأتي من قرار مدروس ليس بالضرورة أكثر إثارة من المال الذي يأتي من صفقة سريعة، لكنه يمنح صاحبه فرصة أكبر لفهم ما فعله ولماذا فعله، وما إذا كان يستطيع تكراره دون أن يعرّض مستقبله لما لا يستطيع تحمله.
لهذا لا يحتاج الإنسان إلى قتل طموحه المالي، وإنما إلى تحريره من فكرة أن النجاح الحقيقي يجب أن يحدث بسرعة. فالطموح يصبح أكثر نضجًا عندما يتحول من البحث عن قفزة كبيرة إلى بناء قدرة حقيقية على الكسب، والادخار، والاستثمار، وإدارة المخاطر، واتخاذ القرارات التي تتناسب مع الواقع لا مع الوعود التي تظهر أمامنا على الشاشة.
