جلس بينهم ولم يتكلم

كاتبه | رامي فلمبان
في إحدى الأمسيات، اجتمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة بعد فترة طويلة لم تسمح لهم ظروف الحياة بأن يجتمعوا كما كانوا يفعلون في السابق. كان الجميع حاضرًا تقريبًا، وكل واحد منهم يحمل شيئًا من يومه إلى ذلك اللقاء. أحدهم يتحدث عن عمله، وآخر يروي موقفًا حدث معه، وبعضهم يتابع هاتفه بين حين وآخر، بينما كانت الأحاديث تنتقل من موضوع إلى آخر بصورة طبيعية.
جلس بينهم رجل في منتصف العمر، واستمع إلى الجميع دون أن يشارك كثيرًا. كان يبتسم عندما يضحك الآخرون، ويهز رأسه أحيانًا عندما يسمع شيئًا يهمه، لكنه لم يبدأ حديثًا، ولم يحاول أن يلفت انتباه أحد إليه. في البداية لم يلاحظ أحد صمته، لأن وجوده بينهم كان يبدو طبيعيًا. لكن مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أنه لم يكن حاضرًا بالطريقة التي اعتادها الآخرون منه.
لم يكن غاضبًا، ولم يكن يريد أن يعاقب أحدًا بصمته. كان هناك شيء آخر يصعب شرحه. ربما كان يشعر بأنه لا يعرف من أين يبدأ الكلام، وربما كان قد تعب من شرح بعض الأشياء التي لم يجد من يفهمها. وفي أحيان أخرى، قد لا يكون الإنسان صامتًا لأنه لا يملك ما يقوله، وإنما لأنه يشعر أن الكلام لن يغير شيئًا.
هذه اللحظة تتكرر في حياة كثير من الناس، وربما مررنا بها دون أن نعطيها ما تستحق من الانتباه. يجلس الإنسان وسط عائلته أو أصدقائه أو زملائه، لكنه يشعر بأنه بعيد عنهم من الداخل. يسمع الأصوات من حوله، ويشاركهم المكان نفسه، لكنه لا يجد المساحة التي تجعله يرغب في الحديث.
المشكلة في هذا النوع من الصمت أنه لا يكون دائمًا واضحًا للآخرين. الإنسان الذي يتحدث كثيرًا عندما يكون بخير قد يصبح هادئًا عندما يمر بمرحلة صعبة، لكن المحيطين به قد يفسرون ذلك على أنه تعب عابر أو رغبة في الهدوء. وقد يستمر الأمر أيامًا أو أسابيع دون أن يسأله أحد سؤالًا حقيقيًا عن حاله.
ليس لأنهم لا يحبونه بالضرورة، وإنما لأننا في كثير من الأحيان لا نعرف كيف نقرأ الصمت.
نحن معتادون على التعامل مع الكلام لأنه واضح. عندما يقول شخص إنه متعب، نعرف أنه متعب. عندما يخبرنا أنه غاضب، نفهم أنه غاضب. وعندما يطلب المساعدة، يصبح من السهل معرفة ما يحتاج إليه. أما الصمت فيضعنا أمام مساحة غير واضحة، فنبدأ بتفسيرها من عندنا. قد نقول إنه مشغول، أو أن مزاجه متغير، أو أنه لا يريد المشاركة، ثم نواصل حديثنا وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن الصمت قد يكون أحيانًا نتيجة تراكم طويل من المشاعر.
قد يكون الشخص قد مر بموقف لم يجد من يستمع إليه بعده. وقد يكون حاول في السابق أن يتحدث، لكنه شعر أن الآخرين كانوا منشغلين أو غير قادرين على فهم ما يقوله. ومع تكرار التجربة، يبدأ في تقليل حديثه تدريجيًا. لا يتخذ قرارًا واضحًا بأن يصمت، وإنما يتعلم أن الاحتفاظ بالكلام لنفسه أقل تعبًا من محاولة شرحه.
وهناك فرق كبير بين الإنسان الذي يحب الهدوء بطبيعته، والإنسان الذي أصبح صامتًا بعد أن كان مختلفًا. الأول قد يكون مرتاحًا في صمته، أما الثاني فقد يكون يتعامل مع شيء لا يعرف كيف يعبر عنه.
ولهذا فإن ملاحظة التغير في الشخص قد تكون أهم أحيانًا من معرفة سببه مباشرة.
إذا كان أحد أفراد العائلة معروفًا بكثرة الحديث، ثم أصبح قليل الكلام، فربما يستحق الأمر سؤالًا بسيطًا. ليس استجوابًا ولا ضغطًا عليه، وإنما سؤالًا يشعره بأن تغيره لم يمر دون ملاحظة. قد لا يتحدث في المرة الأولى، وقد يقول إنه بخير، وقد لا يكون مستعدًا للحديث أصلًا. لكن مجرد معرفته بأن هناك شخصًا انتبه إليه يمكن أن يكون بداية مهمة.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقدم له الحل. أحيانًا يحتاج إلى شخص يستطيع أن يسمع دون أن يحول حديثه إلى محاضرة أو مقارنة أو نصيحة سريعة.
ومن أكثر الأمور التي تجعل الناس يتوقفون عن الحديث أنهم عندما يفتحون موضوعًا شخصيًا يجدون أمامهم إجابات جاهزة. يقول أحدهم إنه يشعر بالضغط، فيأتيه الرد بأن الجميع لديهم ضغوط. يقول إنه متعب، فيسمع أن هناك من هو أكثر تعبًا. يتحدث عن مشكلة في عمله، فيبدأ الطرف الآخر بإخباره عن مشكلة أكبر مر بها هو.
قد تكون هذه الردود حسنة النية، لكنها لا تمنح الإنسان دائمًا الشعور الذي يبحث عنه. عندما يتحدث شخص عن تجربته، فهو لا يطلب بالضرورة مقارنة تجربته بتجارب الآخرين. ربما يريد فقط أن تُفهم تجربته كما عاشها.
وهذا ما يجعل الاستماع مهارة مهمة في العلاقات. الاستماع الحقيقي لا يعني أن تبقى صامتًا فقط، وإنما أن تمنح الشخص انتباهك قبل أن تمنحه رأيك. أن تسمح له بإكمال فكرته، وأن تتقبل أن بعض المشاعر تحتاج إلى وقت حتى تصبح واضحة لصاحبها نفسه.
الرجل الذي جلس بينهم ولم يتكلم ربما لم يكن يريد أن يروي قصة حزينة، وربما لم يكن يمر بأزمة كبيرة أصلًا. ربما كان فقط يعيش مرحلة من حياته أصبح فيها أكثر تفكيرًا وأقل رغبة في الحديث. فالإنسان يتغير مع العمر، وما كان يشغله في السابق قد لا يعود مهمًا بالنسبة إليه، وما كان يجد فيه متعة قد يصبح عاديًا.
أحيانًا يجلس الإنسان بين أشخاص اعتاد أن يشاركهم كل شيء، ثم يكتشف أنه أصبح يحمل أسئلة مختلفة. لم تعد الأحاديث التي كانت تجمعهم تلامس ما يشغل ذهنه. يشعر أن حياته الداخلية تحولت إلى مكان لم يعد يعرف كيف يشرح ما يحدث فيه.
وهنا لا تكون المشكلة في الآخرين وحدهم، ولا فيه وحده. إنها نتيجة طبيعية لتغير الإنسان والعلاقات مع مرور الوقت.
قد يتغير الإنسان بينما تستمر المجموعة في التعامل معه بالصورة القديمة. إذا كان معروفًا بأنه المرح في العائلة، يتوقع الجميع منه أن يبقى مرحًا. وإذا كان الشخص الذي يقدم الحلول دائمًا، يتوقعون منه أن يكون قويًا في كل الظروف. وإذا كان الأكثر نشاطًا بينهم، قد لا ينتبهون عندما يبدأ بالانسحاب تدريجيًا.
وهذه التوقعات قد تكون مرهقة، لأنها تجعل الإنسان يشعر بأنه مضطر إلى المحافظة على شخصية اعتادها الآخرون منه، حتى عندما لا تعبر عن حالته الحالية.
ربما كان الرجل الذي جلس بينهم قد أمضى سنوات طويلة في أداء دور الشخص القوي. كان يستمع إلى الآخرين عندما يواجهون مشكلاتهم، ويقدم لهم المساعدة عندما يحتاجون إليه، ويبدو أمامهم قادرًا على التعامل مع ظروف الحياة. ومع الوقت، ربما أصبح من الصعب عليه أن يظهر ضعفه أمامهم، لأنه لا يريد أن تتغير الصورة التي يعرفونه بها.
وهناك أشخاص لا يعرفون كيف يقولون إنهم يحتاجون إلى الاهتمام. لا يطلبون السؤال، ولا يقولون إنهم يشعرون بالوحدة، ولا يعترفون بسهولة بأنهم يحتاجون إلى شخص يسمعهم. ينتظرون أن يلاحظ الآخرون ذلك من تلقاء أنفسهم، وعندما لا يحدث، يشعرون بخيبة أمل أكبر.
لكن العلاقات الصحية لا يمكن أن تقوم دائمًا على قراءة الأفكار. من حق الإنسان أن يتحدث عما يحتاج إليه، ومن حق الطرف الآخر أيضًا ألا يعرف ما لم يتم إخباره به. ولهذا فإن الصراحة الهادئة أفضل في كثير من الأحيان من انتظار أن يفهم الآخرون كل شيء من خلال الصمت.
قد يقول الإنسان ببساطة إنه يمر بفترة لا يشعر فيها بأنه بخير، أو إنه يحتاج إلى الحديث، أو إنه يشعر بأنه أصبح بعيدًا عن الأشخاص الذين يحبهم. هذه الجملة البسيطة قد تفتح بابًا لم يكن أحد يعرف أنه مغلق.
ومع ذلك، يبقى هناك نوع من الصمت لا يحتاج إلى تفسير فوري. أحيانًا يكون الإنسان بحاجة إلى أن يجلس دون أن يتحدث. الحياة اليومية مليئة بالأصوات والرسائل والأخبار والطلبات والمواعيد، وقد يصبح الصمت مساحة ضرورية لاستعادة الهدوء. لذلك لا ينبغي أن نتعامل مع كل هدوء باعتباره مشكلة.
الفرق يظهر في أثره على الإنسان
إذا كان الصمت يمنحه الراحة ويعود بعدها إلى حياته بصورة طبيعية، فقد يكون مجرد حاجة إلى الهدوء. أما إذا أصبح منعزلًا، وفقد اهتمامه بالأشياء التي كان يحبها، وابتعد عن الأشخاص القريبين منه لفترة طويلة، فقد يكون من المفيد أن يسأله من يثق بهم عن حاله بطريقة هادئة ومحترمة. وإذا شعر الإنسان أن ما يمر به أصبح يؤثر بصورة كبيرة على حياته اليومية، فقد يكون الحديث مع مختص مناسب خطوة مسؤولة.
ليس المطلوب أن نتحول جميعًا إلى خبراء في فهم مشاعر الآخرين. يكفي أحيانًا أن نكون أكثر انتباهًا.
عندما يجلس شخص نعرفه بيننا ولا يتكلم، قد لا نحتاج إلى أن نضع تفسيرًا لما يحدث له. يمكن أن نترك له مساحة، ونفتح له باب الحديث إذا أراد، ونشعره بأن وجوده مهم حتى لو لم يقل شيئًا. هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تغير شكل العلاقة، لأنها تقول للإنسان إن قيمته ليست مرتبطة بقدرته على المشاركة أو إضحاك الآخرين أو تقديم شيء لهم.
وربما لهذا كان ذلك الرجل في ذلك المساء يحتاج إلى شيء أبسط مما تصور الجميع. لم يكن يريد أن يحتل الحديث، ولم يكن يبحث عن اهتمام مبالغ فيه. كان يحتاج فقط إلى أن يشعر أن صمته لم يجعله غير مرئي.
في كثير من العلاقات، نعتاد وجود الأشخاص إلى درجة أننا لا ننتبه إلى تغيرهم إلا عندما يصبح التغير واضحًا جدًا. نعرف الشخص من خلال دوره في حياتنا، وننسى أن له عالمًا داخليًا يتغير باستمرار. قد يكون أخًا أو أبًا أو صديقًا أو زوجًا أو زميلًا، لكنه قبل كل هذه الأدوار إنسان يمر بتجارب لا نعرف عنها شيئًا.
ولهذا فإن الجلوس بينهم دون كلام قد لا يكون مجرد صمت. قد يكون لحظة يكشف فيها الإنسان، دون أن يقصد، أن شيئًا في داخله تغير.
وقد تكون مهمتنا في تلك اللحظة ليست أن نطالبه بالكلام، وإنما أن نترك له بابًا مفتوحًا عندما يكون مستعدًا.
فبعض الناس يتحدثون عندما يشعرون بالأمان، لا عندما يُطلب منهم الكلام. وبعض المشاعر تحتاج إلى وقت قبل أن تتحول إلى كلمات واضحة. وما يبدو لنا صمتًا عابرًا قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر مرحلة طويلة من التفكير ومحاولة فهم نفسه.
وفي النهاية، لا يمكننا أن نعرف دائمًا ما الذي يحدث داخل الأشخاص الذين نحبهم، لكن يمكننا أن نكون أكثر انتباهًا إلى التغيرات الصغيرة فيهم. قد لا نستطيع حل مشكلاتهم، وقد لا نملك الإجابة عن أسئلتهم، لكننا نستطيع أن نمنحهم شيئًا مهمًا: شعورًا بأن هناك من يلاحظ وجودهم دون أن يطالبهم بأن يكونوا بخير طوال الوقت.
فحين يجلس الإنسان بين من يحبهم ولا يتكلم، لا يعني ذلك بالضرورة أنه لا يريدهم. ربما يكون العكس تمامًا؛ ربما كان يتمنى أن يشعر بقربهم بطريقة تجعله قادرًا على الكلام من جديد.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان