كاتبه | رامي فلمبان
شهد عالم الأعمال خلال السنوات الأخيرة تغيرات متسارعة أعادت تشكيل الطريقة التي تعمل بها الشركات وتتعامل بها مع الأسواق والعملاء والموظفين. ومع هذا التغير، بدأت بعض المؤسسات تعيد النظر في الهياكل الإدارية التقليدية التي اعتمدت طويلًا على التسلسل الهرمي وكثرة الموافقات وتعدد مستويات الرقابة.
لم يكن السبب في ذلك أن كل ما هو بيروقراطي أصبح بلا قيمة، فوجود الأنظمة والإجراءات والرقابة يظل ضروريًا في كثير من المؤسسات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالالتزام والحوكمة وحماية الموارد. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات من وسيلة لتنظيم العمل إلى عائق يمنع العمل نفسه.
وهنا ظهر سؤال أصبح أكثر حضورًا في بيئات الأعمال الحديثة: هل ما زال القرار يحتاج إلى المرور بكل هذه المستويات حتى يصل إلى من يستطيع تنفيذه؟
عندما يصبح القرار أبطأ من السوق
أتذكر دائمًا أن المشكلة في بعض المؤسسات لم تكن في ضعف الأفكار، وإنما في الوقت الذي تحتاجه الفكرة حتى تصل إلى صاحب القرار.
قد يبدأ الأمر باقتراح بسيط من موظف يتعامل يوميًا مع العملاء، ثم ينتقل إلى المسؤول المباشر، وبعده إلى مدير الإدارة، وربما إلى إدارة أخرى، ثم إلى الإدارة العليا. وخلال هذه الرحلة الطويلة قد تكون الظروف التي دفعت إلى تقديم الاقتراح قد تغيرت أصلًا.
المشكلة هنا ليست في وجود الموافقة بحد ذاتها، وإنما في عدم التمييز بين القرارات التي تحتاج إلى رقابة عالية، وتلك التي يمكن تفويضها لمن يملك المعرفة المباشرة بالموقف.
في الأسواق المتغيرة، لا تستطيع المؤسسة أن تتعامل مع كل قرار وكأنه يحتاج إلى المسار الإداري نفسه. بعض القرارات إذا تأخرت أيامًا قد تفقد قيمتها، وبعض الفرص لا تنتظر حتى تكتمل دائرة التوقيعات.
لهذا اتجهت مؤسسات كثيرة إلى توسيع نطاق التفويض ومنح فرق العمل صلاحيات أكبر في المجالات التي تقع ضمن مسؤولياتها. وأصبح المطلوب من المدير في بعض البيئات الحديثة ألا يكون محطة تمر عبرها كل القرارات، بل أن يضع الإطار الذي يسمح للآخرين باتخاذ القرار المناسب داخله.
وهذا لا يعني إلغاء الإدارة، بل تغيير دورها.
من مراقبة كل شيء إلى بناء نظام يعمل
هناك فرق كبير بين أن تدير المؤسسة موظفيها وبين أن تحاول مراقبة كل حركة يقومون بها.
في النماذج التقليدية، كان وجود مستويات متعددة من الإشراف مفهومًا في ظل محدودية المعلومات وصعوبة متابعة العمليات. أما اليوم، فقد أصبحت الأنظمة الرقمية قادرة على تسجيل البيانات ومتابعة الأداء وإظهار مؤشرات العمل بصورة أسرع وأكثر وضوحًا.
أصبحت الإدارة تستطيع أن تعرف أين يتعثر العمل، وما الذي تأخر، وما مستوى الإنجاز، وأين تتكرر الأخطاء، دون أن تحتاج بالضرورة إلى أن تمر كل عملية عبر سلسلة طويلة من الأشخاص.
وهنا تغيرت قيمة المدير نفسه. لم يعد دوره الأساسي في بعض الوظائف هو جمع الأوراق ونقلها بين الإدارات أو التأكد من أن كل خطوة مرت عبر الشخص الصحيح، وإنما أصبح دوره أقرب إلى تصميم النظام، وتحديد المسؤوليات، ومراقبة النتائج، والتدخل عندما تظهر مشكلة تحتاج إلى تدخل فعلي.
التكنولوجيا لم تلغِ الحاجة إلى الرقابة، لكنها جعلت من الممكن أن تكون الرقابة أكثر اعتمادًا على البيانات وأقل اعتمادًا على كثرة الطبقات الإدارية.
حين يشعر الموظف أن رأيه لا يغير شيئًا
هناك جانب آخر من المشكلة لا يظهر في المخططات التنظيمية.
الموظف الذي يمتلك فكرة جيدة ثم يجد أنها تحتاج إلى المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات قبل أن يسمع بها أحد، قد يتعلم مع الوقت ألا يقترح شيئًا من الأساس. والموظف الذي يشعر أن تنفيذ العمل أهم من التفكير فيه، قد يركز على الالتزام بالتعليمات بدل البحث عن طريقة أفضل لإنجاز المهمة.
وهنا تبدأ المؤسسة في خسارة شيء لا يظهر بسهولة في تقارير الأداء: المبادرة.
المواهب لا تبحث فقط عن راتب أو مسمى وظيفي، بل تبحث أيضًا عن بيئة تشعر فيها أن المعرفة والخبرة والأفكار لها قيمة. وعندما تكون المسافة بين الموظف وصاحب القرار كبيرة جدًا، فقد تصبح المؤسسة أقل قدرة على الاستفادة من الأشخاص الموجودين فيها، حتى لو كانت تمتلك كفاءات جيدة.
لهذا تحاول بعض الشركات الحديثة تقليل الحواجز غير الضرورية بين المستويات الإدارية، وفتح قنوات أكثر مباشرة للتواصل، وربط تقييم الموظفين بالنتائج والمساهمة الفعلية، وليس فقط بمدى قدرتهم على تنفيذ التعليمات كما كُتبت.
لكن تمكين الموظف لا يعني تركه يعمل بلا حدود. التمكين الحقيقي يحتاج إلى أهداف واضحة، وصلاحيات محددة، ومعلومات كافية، ومساءلة عن النتائج. وإلا تحولت اللامركزية نفسها إلى نوع آخر من الفوضى.
هل اختفت البيروقراطية فعلًا؟
ربما من الخطأ القول إن الشركات الحديثة تتخلى عن البيروقراطية بالكامل. فكلما كبرت المؤسسة، ازدادت حاجتها إلى الأنظمة والسياسات والضوابط، خصوصًا في القطاعات التي تتطلب مستويات مرتفعة من الامتثال والرقابة.
لكن ما يتغير هو طريقة استخدام هذه الأدوات.
المؤسسة الناضجة ليست التي لا تمتلك إجراءات، وإنما التي تعرف لماذا وضعت كل إجراء، ومتى يكون ضروريًا، ومتى يصبح عبئًا يحتاج إلى مراجعة.
قد تحتاج بعض القرارات إلى موافقات متعددة لأنها تمس أموالًا كبيرة أو مخاطر قانونية أو سمعة المؤسسة. وفي المقابل، قد يكون من غير المنطقي أن يخضع قرار تشغيلي صغير للمسار الإداري نفسه.
المشكلة إذن ليست في وجود الهرم الإداري، وإنما في أن يصبح الهرم أهم من الهدف الذي أنشئ من أجله.
المرونة ليست غياب النظام
ربما يكون أهم ما تعلمته المؤسسات من التحولات الأخيرة أن المرونة لا تعني الفوضى، كما أن التنظيم لا يعني البطء.
المؤسسة المرنة هي التي تستطيع أن تحافظ على الضوابط الضرورية، وفي الوقت نفسه تمنح العاملين مساحة كافية للتصرف عندما تتطلب الظروف ذلك. وهي التي تراجع إجراءاتها من وقت إلى آخر بدل أن تعتبرها حقائق ثابتة لا يمكن المساس بها.
في النهاية، لا تتخلى الشركات عن البيروقراطية لمجرد أنها قديمة، ولا تتبنى اللامركزية لمجرد أنها حديثة. المؤسسة التي تبحث عن الاستدامة تحتاج إلى أن تسأل باستمرار: هل الطريقة التي ننظم بها العمل تساعدنا فعلًا على تحقيق أهدافنا، أم أصبحت جزءًا من المشكلة؟
فقد يكون الإجراء الذي كان مناسبًا قبل سنوات ضروريًا في وقته، لكنه لم يعد مناسبًا بعد تغير حجم المؤسسة أو طبيعة السوق أو أدوات العمل.
وهنا يصبح التطوير الإداري الحقيقي أقل ارتباطًا بإلغاء الماضي، وأكثر ارتباطًا بالقدرة على مراجعة ما ورثناه، والاحتفاظ بما يخدمنا، والتخلي عما أصبح يعطلنا.
فالشركات لا تحتاج دائمًا إلى هياكل أقل، بقدر ما تحتاج إلى هياكل أوضح؛ ولا تحتاج دائمًا إلى قرارات أسرع، بقدر ما تحتاج إلى قرارات تصل إلى أصحابها في الوقت المناسب. وبين النظام والمرونة توجد المساحة التي تستطيع فيها المؤسسة أن تنمو دون أن تتحول أنظمتها إلى قيود على نموها.
