كاتبه | رامي فلمبان
يبدأ الإنسان عمله وفي داخله رغبة في أن يصنع شيئًا من حياته. يريد أن يشعر بقيمته، وأن يعتمد على نفسه، وأن يوفر لنفسه ولأسرته حياة أكثر استقرارًا. وقد يكون العمل بالنسبة إليه حلمًا طال انتظاره، أو فرصة لإثبات قدراته، أو طريقًا للخروج من ظروف لم يكن راضيًا عنها. في البداية يكون الحماس حاضرًا والطموح كبيرًا، ويبدو الوقت شيئًا يمكن التضحية بجزء منه مقابل الوصول إلى هدف يراه الإنسان مستحقًا.
لكن الإنسان قد يكتشف بعد سنوات أن العمل الذي بدأه ليبني حياته أصبح يأخذ منها أكثر مما يمنحها. ولا يحدث ذلك عادة في لحظة واحدة، وإنما يتسلل تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة. ساعة إضافية في المكتب تتحول إلى عادة، ورسالة عمل تصل في المساء تصبح أمرًا طبيعيًا، ومكالمة في يوم الإجازة لا تبدو مشكلة كبيرة، ثم يجد الإنسان نفسه بعد فترة يعيش بعقله في العمل حتى عندما يكون بعيدًا عنه.
المشكلة هنا ليست في العمل نفسه، ولا في الطموح، ولا في الرغبة في النجاح. فالعمل يمكن أن يمنح الإنسان الاستقلال والخبرة والشعور بالإنجاز، وقد يكون مصدرًا مهمًا للاستقرار وبناء المستقبل. لكن المشكلة تبدأ عندما يفقد العمل مكانه الطبيعي في حياة الإنسان، ويتحول من جزء من الحياة إلى مركز تدور حوله الحياة كلها.
قد يبدو الإنسان في الخارج ناجحًا؛ منصب جيد، ودخل مناسب، وخبرة طويلة، ومسؤوليات كبيرة. وربما ينظر إليه الآخرون بإعجاب ويتمنون الوصول إلى المكان الذي وصل إليه. لكنه وحده يعرف ما دفعه مقابل ذلك. ربما فقد وقتًا كان يمكن أن يقضيه مع أسرته، أو ابتعد عن أصدقائه، أو توقف عن ممارسة الأشياء التي كان يحبها، أو أصبح يؤجل الراحة باستمرار إلى وقت لاحق لا يأتي.
وهنا تظهر مفارقة لا ينتبه إليها الإنسان إلا بعد مرور الوقت. يعمل من أجل أن يوفر حياة أفضل لأسرته، لكنه لا يجد الوقت الكافي ليعيش معهم. يعمل من أجل المستقبل، لكنه يستهلك جزءًا كبيرًا من حاضره. يسعى إلى النجاح حتى يشعر بالراحة، ثم يكتشف أن الطريقة التي يلاحق بها النجاح أصبحت سببًا في عدم قدرته على الراحة.
ولا يرتبط هذا الأمر بعدد ساعات العمل وحدها. فهناك أشخاص يعملون لساعات طويلة ويشعرون بالرضا، لأنهم يرون معنى فيما يفعلون ويملكون مساحة مناسبة لحياتهم الخاصة. وفي المقابل، قد يشعر شخص آخر بالإرهاق من ساعات أقل، لأن المشكلة قد تكون في طبيعة البيئة التي يعمل فيها، أو في طريقة التعامل معه، أو في غياب التقدير، أو في عدم وضوح دوره، أو في شعوره المستمر بأنه مطالب بإثبات نفسه.
فالإنسان لا يتعب من الجهد وحده، وإنما يتأثر أيضًا بما يشعر به تجاه هذا الجهد. قد يستطيع تحمل ضغط كبير عندما يعرف لماذا يتحمله ويرى نتيجة ما يبذله، لكنه يجد صعوبة في الاستمرار عندما يشعر أن طاقته تُستهلك دون تقدير أو أثر واضح. ولهذا فإن بيئة العمل تؤثر في علاقة الإنسان بمهنته، لأن الموظف لا يأتي إلى المؤسسة بمهاراته فقط، وإنما يأتي معها بتوقعاته وطموحاته وحاجته إلى الشعور بأن ما يقدمه له قيمة.
ومن هنا تصبح الإدارة جزءًا مهمًا من هذه المعادلة. فالإدارة لا تتعامل مع أرقام ومهام فقط، وإنما تتعامل مع أشخاص لهم حياة خارج المؤسسة. وقد تنجح مؤسسة في تحقيق نتائج جيدة لفترة من خلال الضغط المستمر، لكنها قد تدفع ثمنًا مختلفًا مع الوقت عندما يبدأ الموظفون في فقدان الحماس أو الشعور بالانتماء. الموظف الذي يشعر أن حياته الشخصية لا تجد أي مساحة أمام العمل قد يستمر في أداء مهامه، لكنه قد لا يستطيع الحفاظ على المستوى نفسه من الطاقة والمشاركة إلى ما لا نهاية.
والإدارة الواعية لا تعني أن تكون بيئة العمل خالية من المسؤولية أو التحديات. العمل يحتاج إلى التزام، والنتائج تحتاج إلى جهد، والمؤسسات لا يمكن أن تستمر دون انضباط. لكن هناك فرقًا بين بيئة تشجع الإنسان على تقديم أفضل ما لديه، وبيئة تجعل طول ساعات العمل أو التوفر الدائم معيارًا غير مكتوب للإخلاص.
في بعض أماكن العمل يصبح الموظف الذي يغادر في الوقت المحدد أقل تقديرًا من الموظف الذي يبقى حتى وقت متأخر، حتى لو أن الأول أنجز عمله بكفاءة والثاني بقي بسبب سوء التنظيم. ومع الوقت قد تتحول ساعات العمل الطويلة إلى دليل ظاهري على الجدية، بينما لا يكون عدد الساعات وحده مقياسًا لجودة العمل. وعندما تصبح التضحية بالوقت شرطًا غير معلن لإثبات الالتزام، فإن المشكلة لا تعود في قدرة الموظف على التحمل فقط، وإنما في الثقافة التي نشأت حول العمل.
ومع ذلك، قد يكون الإنسان نفسه جزءًا من هذه المشكلة دون أن يدرك ذلك. بعض الأشخاص يجدون صعوبة في وضع حدود واضحة، ويشعرون بالذنب عندما يرفضون مهمة إضافية، أو يخشون أن يُنظر إليهم باعتبارهم أقل تعاونًا. ومع مرور الوقت يصبح قبول كل شيء أسلوبًا دائمًا، ثم يجد الشخص نفسه محاصرًا بمسؤوليات لم يعد قادرًا على إدارتها بالطريقة نفسها.
النجاح المهني لا يعني أن يكون الإنسان متاحًا في كل وقت، كما أن التعاون لا يعني التخلي عن كل حد شخصي. ومن حق الإنسان أن يكون جادًا في عمله وأن يضع في الوقت نفسه مساحة لحياته التي لا تقل أهمية عن وظيفته.
وهناك جانب آخر أكثر عمقًا، وهو أن الإنسان قد يبدأ في تعريف نفسه من خلال عمله فقط. فإذا سُئل عن نفسه تحدث عن وظيفته، وإذا تحدث عن نجاحه ذكر منصبه، وإذا خسر عمله شعر وكأنه خسر جزءًا من هويته. وهذه العلاقة تجعل أي تغيير مهني أكثر صعوبة، لأن الإنسان لا يرى في الوظيفة مصدر دخل أو خبرة فقط، وإنما يرى جزءًا من تعريفه لنفسه.
العمل جزء مهم من حياة الإنسان، لكنه ليس كل حياته. هناك علاقاته وأفكاره وذكرياته واهتماماته وتجربته مع الحياة والأشياء التي يحبها والقيم التي يعيش وفقها. وكلما أدرك الإنسان ذلك أصبح أكثر قدرة على النجاح دون أن يجعل نجاحه المهني المقياس الوحيد لقيمته.
ولهذا يحتاج الإنسان من وقت إلى آخر إلى أن يتوقف ويسأل نفسه عن علاقته بالعمل. ليس ليترك وظيفته بالضرورة، ولا ليقلل من طموحه، وإنما ليتأكد من أنه ما زال يعيش بالطريقة التي يريدها. هل أصبح العمل يأخذ معظم وقتي؟ هل ما زلت أجد وقتًا للأشخاص الذين أحبهم؟ هل أستطيع أن أغلق حاسوبي وأشعر أن يومي انتهى؟ هل لدي حياة خارج وظيفتي؟ وهل النجاح الذي أسعى إليه يستحق الثمن الذي أدفعه من وقتي وراحتي؟
هذه الأسئلة ليست دعوة إلى التخلي عن الطموح، وإنما محاولة لرؤية الصورة كاملة. فالسنوات لا تتوقف حتى نعيد ترتيب أولوياتنا، وبعض الأشياء التي يؤجلها الإنسان اليوم قد لا يستطيع استعادتها بالطريقة نفسها غدًا. الوقت الذي يمر مع الأبناء لا يعود، والصداقات تحتاج إلى حضور، والراحة ليست مجرد وقت فائض نستخدمه عندما تنتهي جميع مسؤولياتنا.
وقد يكتشف الإنسان أن الحل لا يحتاج إلى قرار كبير. ربما يحتاج إلى إعادة تنظيم طريقة عمله، أو وضع حدود أوضح، أو تفويض بعض المهام، أو التوقف عن اعتبار كل أمر عاجلًا، أو حتى إعادة النظر في المسار المهني إذا أصبح غير مناسب لحياته. وفي حالات أخرى قد تكون المشكلة أعمق من مجرد سوء تنظيم، وقد يحتاج الإنسان فعلًا إلى تغيير القسم أو المؤسسة أو طبيعة العمل.
المهم ألا يتعامل الإنسان مع استنزافه باعتباره الثمن الطبيعي للنجاح. فالطموح يمكن أن يكون قوة تدفعه إلى الأمام، لكنه يصبح عبئًا عندما يجعله يؤجل حياته باستمرار إلى المستقبل.
ولذلك فإن النجاح المهني الأكثر نضجًا ليس أن يعمل الإنسان بلا توقف، وإنما أن يعرف كيف يعمل بجد دون أن يسمح للعمل بأن يبتلع حياته. أن يطور نفسه دون أن يفقد نفسه، وأن يتحمل المسؤولية دون أن يتحول إلى شخص لا يعرف إلا المسؤولية، وأن يسعى إلى المال والمكانة والخبرة دون أن ينسى أن هذه الأشياء وسائل مهمة، لكنها ليست الغاية الوحيدة من الحياة.
والمؤسسة بدورها تستطيع أن تؤثر في هذه العلاقة. الموظف ليس موردًا يُستهلك حتى تنتهي طاقته، وإنما إنسان يحتاج إلى بيئة واضحة وعادلة ومساحة يستطيع فيها أن يؤدي عمله دون أن تصبح حياته الخاصة ثمنًا دائمًا للإنتاج. وقد تكون المحافظة على الإنسان داخل بيئة العمل أكثر استدامة من محاولة الحصول على أكبر قدر ممكن من الجهد منه خلال فترة قصيرة.
فالعمل الذي يحترم الإنسان لا يعني العمل السهل، وإنما العمل الذي يعرف أن للإنسان حدودًا، وأن لديه حياة خارج المؤسسة، وأن الإنتاجية لا تقوم بالضرورة على الاستنزاف المستمر. وعندما تصبح العلاقة أكثر توازنًا، يستطيع الموظف أن يعود إلى عمله بطاقة أفضل، وأن يقدم أداء أكثر استقرارًا، وأن يشعر بأن نجاحه المهني لا يأتي على حساب كل ما عداه.
وفي لحظة ما قد يجد الإنسان نفسه يملك أشياء كثيرة كان يريدها، لكنه لا يجد الوقت الكافي للاستمتاع بها. وقد يصل إلى المكان الذي كان يحلم به، ثم يكتشف أن الطريق إليه استهلك منه أكثر مما توقع. عندها لا يكون السؤال بالضرورة: هل كان طموحي خطأ؟ بل ربما يكون السؤال الأصدق: هل كانت الطريقة التي عشت بها طموحي مناسبة للحياة التي كنت أريد بناءها؟
لا ينبغي أن يكون النجاح سببًا في خسارة الإنسان لنفسه. فالوظيفة يمكن أن تتغير، والمنصب يمكن أن ينتهي، والمؤسسة يمكن أن تتغير، وحتى المسار المهني نفسه قد يأخذ اتجاهًا جديدًا. أما السنوات التي يعيشها الإنسان فلا يمكن استعادتها.
ولهذا يبقى السؤال الأهم ليس: كم أنجزت في عملك؟ وإنما: ماذا بقي منك وأنت تنجز كل ذلك؟
فالعمل الناجح هو الذي يساعد الإنسان على بناء حياته، لا الذي يجعله يخسرها. وعندما يفهم الإنسان هذه الحقيقة، يصبح الطموح أكثر اتزانًا، ويصبح النجاح أكثر معنى، ويصبح العمل جزءًا من حياة يعيشها الإنسان، لا حياة تختصر نفسها كلها في العمل.
