كاتبه | رامي فلمبان
لطالما ارتبطت صورة القيادة الإدارية في أذهاننا بالمعرفة الواسعة، والثقة في اتخاذ القرار، والقدرة على التعامل مع المشكلات دون تردد. وكنت، لسنوات طويلة، أحاول أن أكون ذلك المدير الذي يمتلك إجابة لكل سؤال، وحلًا لكل مشكلة، وقدرة على التعامل مع كل ظرف مهما كان صعبًا.
كنت أدخل إلى مكتبي بنبرة واثقة، وأحرص على أن أبدو أمام فريقي وكأن الأمور كلها تحت السيطرة، حتى في الأوقات التي كنت أشعر فيها داخليًا بعكس ذلك تمامًا.
كنت أعتقد أن المدير لا ينبغي أن يتردد، ولا أن يعترف بعدم معرفته، ولا أن يظهر حاجته إلى مساعدة الآخرين. ومع مرور الوقت، لم تعد المثالية بالنسبة لي مجرد رغبة في إنجاز العمل بصورة جيدة، بل تحولت إلى ضغط مستمر لإثبات أنني قادر دائمًا على تقديم الصورة المثالية.
عندما تصبح المثالية عبئًا
كنت أرى في عبارة «لا أعلم» اعترافًا بنقص الخبرة، وفي طلب المساعدة علامة على ضعف القيادة، وفي الخطأ البسيط مشكلة قد تؤثر في صورتي أمام الآخرين.
لهذا أصبحت أراجع القرارات أكثر من اللازم، وأعيد قراءة التقارير مرات عديدة، وأبحث باستمرار عن الأخطاء والثغرات المحتملة. وحتى بعد انتهاء يوم العمل، كان التفكير في تفاصيل العمل يستمر معي.
شيئًا فشيئًا، تحولت رغبتي في الوصول إلى أفضل نتيجة إلى مصدر دائم للقلق.
المشكلة أن المدير عندما يحاول أن يبدو كاملًا طوال الوقت، قد يطلب من فريقه بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن يفعل الشيء نفسه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
عندما تنتقل المثالية إلى الفريق
لاحظت مع الوقت أن الخوف من الخطأ بدأ يؤثر في طريقة عمل الفريق.
بدلًا من أن يبحث الموظف عن أفضل فكرة، أصبح بعضهم يبحث عن الفكرة التي تضمن له عدم التعرض للنقد. وبدلًا من الاعتراف بالمشكلة مبكرًا، أصبح من الأسهل أحيانًا محاولة إخفائها أو تأجيل الحديث عنها.
كنت أريد أن أبني فريقًا عالي الأداء، لكنني اكتشفت أن الضغط المستمر نحو الكمال يمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية.
فالبيئة التي يشعر فيها الموظف أن الخطأ غير مقبول قد تدفعه إلى تجنب المبادرة، بينما البيئة التي تسمح بمناقشة الخطأ والتعلم منه تمنح الموظف مساحة أكبر للتفكير وتحمل المسؤولية.
وهنا بدأت أفهم أن المشكلة لم تكن في رغبة الفريق في النجاح، وإنما في الطريقة التي كنت أتعامل بها مع الخطأ.
اللحظة التي واجهت فيها نفسي
جاءت لحظة اكتشاف المشكلة في ليلة عادية، بعد يوم طويل من العمل.
كنت خلف مكتبي أراجع عددًا من المستندات والتقارير التي سبق أن راجعتها أكثر من مرة، وأشعر بإرهاق واضح.
في تلك اللحظة سألت نفسي سؤالًا بسيطًا:
هل يستحق الوصول إلى صورة المدير الذي لا يخطئ كل هذا الضغط؟
لم يكن السؤال متعلقًا بالعمل وحده، بل بالحياة التي بدأت تتأثر أيضًا بطريقة إدارتي لنفسي.
أدركت أنني لم أكن أبحث دائمًا عن الجودة، بل كنت أحاول أحيانًا حماية صورتي أمام الآخرين. كنت أخشى أن يراني الفريق إنسانًا يمكن أن يخطئ، مع أن هذا هو الواقع الذي ينطبق على الجميع.
عندها بدأت أرى المشكلة بصورة مختلفة.
أول مرة قلت فيها: لا أعرف
كان الاختبار الحقيقي في اجتماع رسمي، عندما طُرحت مشكلة معقدة تتجاوز خبرتي المباشرة.
في السابق، كنت سأحاول تقديم إجابة، حتى لو لم تكن لدي الصورة الكاملة.
لكنني هذه المرة قلت بوضوح:
«أنا لا أملك الإجابة عن هذا السؤال الآن، وأحتاج إلى مساعدتكم ورؤيتكم لنفكر معًا في الحل.»
ساد الصمت لبضع ثوانٍ.
كنت أتوقع أن يؤثر اعترافي بعدم المعرفة في صورتي أمام الفريق، لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
بدأ النقاش بحرية أكبر، وشارك موظفون كانوا أكثر تحفظًا في الاجتماعات السابقة بأفكار لم تكن مطروحة من قبل.
في تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا:
اعتراف المدير بأنه لا يعرف كل شيء لا يعني أنه فقد القيادة.
أحيانًا يكون اعترافه بحدود معرفته هو ما يفتح المجال أمام فريقه ليشارك بمعرفته وخبرته.
من المدير الذي يعرف كل شيء إلى المدير الذي يتعلم مع فريقه
بعد تلك التجربة بدأت أتعامل مع الأخطاء بصورة مختلفة.
عندما أخطئ في قرار أو تقدير، أصبحت أكثر استعدادًا للاعتراف بذلك أمام الفريق، ثم البحث عن السبب وما يمكن تعلمه منه.
كما بدأت أميز بين الخطأ الذي يحتاج إلى معالجة، والإهمال الذي يحتاج إلى مساءلة، وبين التجربة الجديدة التي قد لا تنجح من المحاولة الأولى.
هذا التمييز مهم في الإدارة؛ لأن التعامل مع جميع الأخطاء بالطريقة نفسها قد يؤدي إلى ثقافة عمل قائمة على الخوف.
أما عندما يعرف الموظف أن بإمكانه طرح المشكلة مبكرًا، وشرح ما حدث، والمشاركة في إيجاد الحل، فإن المؤسسة تحصل على فرصة أفضل للتعلم قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى مشكلة أكبر.
ماذا تعلمت عن القيادة؟
تعلمت أن القيادة لا تعني امتلاك جميع الإجابات.
المدير ليس مطالبًا بأن يكون أكثر شخص معرفة في كل موضوع، وإنما أن يعرف كيف يجمع المعرفة الموجودة داخل فريقه، وكيف يتخذ القرار في الوقت المناسب، وكيف يتحمل مسؤوليته عندما يكون القرار غير صحيح.
وتعلمت أيضًا أن الثقة لا تُبنى من خلال إظهار الكمال، بل من خلال الصدق والوضوح والثبات في التعامل.
أن تقول «لا أعرف» عندما لا تعرف، وأن تقول «أخطأت» عندما تخطئ، وأن تقول «نحتاج إلى مساعدة» عندما تحتاج إليها؛ لا يعني التخلي عن دورك القيادي.
بل قد يكون ذلك جزءًا من القيادة الناضجة.
في النهاية
اليوم، عندما أنظر إلى تلك المرحلة، أرى أن أكبر خطأ لم يكن أنني كنت أريد أن أقدم أفضل ما لدي.
الخطأ كان أنني اعتقدت أن تقديم أفضل ما لدي يعني ألا أسمح لنفسي بالخطأ أو التردد أو طلب المساعدة.
أصبحت أكثر اقتناعًا بأن الإدارة ليست استعراضًا للكمال، وإنما مسؤولية تجاه الأشخاص والنتائج والقرارات.
المدير الناجح ليس بالضرورة الشخص الذي يملك الإجابة عن كل سؤال، وإنما الشخص الذي يستطيع أن يقول بصدق:
«لا أعرف الآن، لكن دعونا نبحث عن الإجابة معًا.»
ومنذ أن فهمت ذلك، أصبحت علاقتي بالعمل أكثر هدوءًا، وأصبح لدي مساحة أكبر للتعلم، وأصبح الفريق أكثر استعدادًا للمشاركة وتحمل المسؤولية.
ربما لا يحتاج المدير إلى أن يكون مثاليًا.
ربما يحتاج فقط إلى أن يكون صادقًا بما يكفي ليكون إنسانًا، ومسؤولًا بما يكفي ليتعلم.
