كاتبه | رامي فلمبان
يبدو النجاح في بدايات الطريق وكأنه الإجابة التي ستنهي كثيرًا من الأسئلة. نعتقد أن الوصول إلى وظيفة أفضل سيجعلنا أكثر رضا، وأن تحقيق دخل أعلى سيمنحنا راحة دائمة، وأن الوصول إلى منصب مهم سيجعلنا أكثر ثقة بأنفسنا، وأن امتلاك الأشياء التي كنا نحلم بها سيضع حدًا لذلك الشعور المستمر بأن هناك شيئًا ناقصًا. لذلك نبدأ في مطاردة النجاح بكل ما لدينا من طاقة، ونضع أمام أعيننا أهدافًا جديدة، ونقيس تقدمنا بما حققناه وما لم نحققه بعد، وكأن الحياة ستصبح أكثر اكتمالًا بمجرد أن نصل إلى النقطة التي رسمناها لأنفسنا.
لكن هناك لحظة قد يصل فيها الإنسان إلى شيء كان يريده منذ سنوات، ثم يجلس مع نفسه ويكتشف أن الشعور الذي انتظره طويلًا لم يأتِ بالشكل الذي تخيله. قد يكون سعيدًا وفخورًا بما حققه، لكنه لا يشعر بالراحة التي كان يتوقعها، وقد يجد نفسه أمام كل ما كان يعتقد أنه سيجعله أكثر رضا، ومع ذلك يبقى في داخله سؤال هادئ لا يعرف كيف يجيب عنه: لماذا لا أشعر بما توقعت؟
هنا يبدأ الإنسان في اكتشاف حقيقة مهمة؛ النجاح وحده لا يكفي دائمًا. وهذا لا يعني أن النجاح بلا قيمة، ولا أن الطموح أمر غير ضروري، ولا أن الإنسان يجب أن يتخلى عن أهدافه. فالنجاح يمكن أن يمنح الإنسان فرصًا أفضل، واستقرارًا أكبر، وخبرة أوسع، وقدرة أكبر على الاختيار، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الحياة معناها الكامل. فالإنسان ليس مجموعة من الإنجازات، ولا يمكن اختصار حياته في منصب أو دخل أو عدد من الأشياء التي يمتلكها. وقد ينجح الإنسان في بناء حياته من الخارج، بينما ينسى أن يبني علاقته بنفسه من الداخل.
في بداية الحياة، نميل إلى الاعتقاد أن المشكلة الأساسية هي أننا لم نصل بعد. فإذا كنا نعمل في وظيفة لا نحبها، نقول إن المشكلة ستنتهي عندما نحصل على الوظيفة المناسبة. وإذا كان دخلنا محدودًا، نظن أن الراحة ستأتي عندما نصل إلى مستوى مالي معين. وإذا كنا نشعر بأن الآخرين لا يقدروننا، نعتقد أن النجاح سيجعلهم ينظرون إلينا بطريقة مختلفة. لكن الوصول لا يضمن دائمًا تغير الشعور. قد يحصل الإنسان على الوظيفة التي أرادها، ثم يكتشف أن ضغطها أكبر مما توقع، وقد يحقق دخلًا جيدًا لكنه يصبح أكثر انشغالًا وأقل امتلاكًا لوقته، وقد يصل إلى منصب كان يحلم به ثم يجد نفسه أمام مسؤوليات لم يكن مستعدًا لها، وقد يحصل على تقدير واسع من الآخرين ثم يكتشف أن هذا التقدير لا يستطيع أن يعوض غياب الرضا الداخلي.
المشكلة ليست في النجاح نفسه، وإنما في توقع أن يقوم النجاح بكل شيء نيابة عنا. فالمال يمكن أن يوفر قدرًا كبيرًا من الأمان والاستقرار، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان علاقة صادقة مع نفسه. والمنصب قد يمنح صاحبه نفوذًا ومساحة أكبر للتأثير، لكنه لا يضمن له احترامًا حقيقيًا من الأشخاص القريبين منه. والإنجاز قد يرفع ثقة الإنسان بنفسه، لكنه لا يعالج دائمًا شعورًا عميقًا بعدم الكفاية إذا كان هذا الشعور موجودًا منذ سنوات. ولهذا قد يأتي وقت يحتاج فيه الإنسان إلى أن يسأل نفسه: ماذا أريد من النجاح أصلًا؟
هل أريده لأنه يعبر عن شيء أؤمن به، أم لأنني أريد أن أثبت للآخرين أنني قادر؟ هل أسعى إلى تحسين حياتي، أم أنني أحاول الهروب من شعور قديم بأنني أقل من غيري؟ هل أريد أن أحقق أهدافي لأنني أجد في الطريق إليها ما يستحق، أم لأنني أخاف من أن أبدو أمام الآخرين أقل نجاحًا؟
هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها تصبح أكثر أهمية كلما تقدم الإنسان في الطريق؛ لأن الإنسان قد يقضي سنوات في تحقيق أهداف لم يخترها بوعي كامل، وإنما اختارها لأن الأسرة أو المجتمع أو البيئة المحيطة به جعلته يعتقد أنها الشكل الصحيح للحياة. قد يتعلم الإنسان منذ صغره أن النجاح يعني الحصول على وظيفة مرموقة، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يبحث في الحقيقة عن الحرية. وقد يعتقد أن امتلاك المال هو الهدف النهائي، ثم يكتشف أنه كان يريد الأمان. وقد يطارد الشهرة لأنه يريد التقدير، بينما كان يحتاج في الأصل إلى أن يتصالح مع نفسه.
وعندما نفهم الدافع الحقيقي خلف أهدافنا، يصبح النجاح أكثر وضوحًا. فالإنسان الذي يريد المال من أجل الاستقرار سيتعامل معه بطريقة مختلفة عن الإنسان الذي يجمع المال فقط ليقارن نفسه بالآخرين، والشخص الذي يريد النجاح من أجل تطوير قدراته سيعيش تجربته بطريقة مختلفة عن شخص يريد النجاح حتى يشعر بأنه أفضل من غيره. وهنا يصبح السؤال عن النجاح أقل ارتباطًا بما يراه الآخرون، وأكثر ارتباطًا بما نريده نحن من حياتنا.
وهنا تظهر أهمية المعنى. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الكثير عندما يشعر أن ما يفعله له معنى. يمكنه أن يعمل لساعات طويلة في مشروع يؤمن به، وأن يتعلم مهارة جديدة رغم صعوبتها، وأن يمر بفترة من التحديات لأنه يعرف لماذا يتحملها. لكن عندما يفقد العمل معناه، أو يصبح الهدف مجرد رقم يريد الوصول إليه، قد يتحول النجاح نفسه إلى عبء. وقد يستيقظ الإنسان كل صباح وهو يحقق المزيد، لكنه لا يعرف لماذا يفعل ذلك، وتصبح حياته سلسلة من المهام والإنجازات دون مساحة كافية ليسأل نفسه عن الإنسان الذي أصبحه أثناء هذه الرحلة.
ولعل هذا من أكثر الجوانب التي تستحق التأمل في مفهوم النجاح. فالنجاح لا يتعلق فقط بما أضفته إلى حياتك، وإنما أيضًا بما إذا كنت قد خسرت نفسك أثناء إضافته. فإذا أصبح الإنسان أكثر نجاحًا لكنه أهمل صحته، أو ابتعد عن أسرته، أو فقد علاقاته المهمة، أو أصبح يعيش تحت ضغط دائم، أو لم يعد يعرف كيف يستمتع بوقته، فمن الطبيعي أن يتوقف ويسأل إن كان الثمن الذي دفعه مناسبًا لما حصل عليه. وليس المقصود أن تكون الحياة بلا مسؤوليات، أو أن نتجنب العمل الجاد، فكل إنجاز حقيقي يحتاج إلى جهد وصبر، وقد يحتاج في بعض مراحله إلى التنازل عن بعض الراحة، لكن هناك فرقًا بين أن نقدم بعض التضحيات من أجل هدف، وبين أن نضحي بكل شيء من أجل هدف لا نعرف إن كان يستحق.
ومن الأشياء التي تجعل النجاح غير كافٍ أن الإنسان يتعود بسرعة على الأشياء الجديدة. ما كان حلمًا يصبح عاديًا بعد فترة؛ السيارة التي انتظرها طويلًا تصبح وسيلة تنقل، والبيت الذي كان يتخيله سنوات يصبح مكانًا معتادًا، والوظيفة التي كان يعتقد أنها ستغير حياته تصبح جزءًا من الروتين، وحتى الزيادة في الدخل قد تتحول مع الوقت إلى مستوى طبيعي جديد، فيبدأ الإنسان في البحث عن مستوى أعلى.
وهكذا قد يجد بعض الناس أنفسهم في سباق لا ينتهي. كلما وصلوا إلى مستوى ظهر مستوى آخر، وكلما حققوا هدفًا أصبح الهدف القديم جزءًا من الماضي وبدأوا في مطاردة شيء جديد. ولا توجد مشكلة في الطموح المستمر إذا كان الإنسان يعيش بوعي، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح قيمة الحياة مرتبطة دائمًا بالشيء الذي لم نصل إليه بعد. عندها يصبح الحاضر مجرد مرحلة مؤقتة، ونقول لأنفسنا إننا سنرتاح عندما ننتهي من المشروع، وسنستمتع عندما يزيد الدخل، وسنقضي وقتًا أكبر مع الأسرة عندما تخف المسؤوليات، وسنبدأ ما نحب عندما تصبح الظروف أفضل. ثم تمر السنوات، وتظهر مسؤوليات جديدة، ويبقى المستقبل هو المكان الذي نؤجل إليه حياتنا.
ربما لهذا السبب يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم كيف يعيش أثناء سعيه، وليس فقط بعد وصوله. أن يستمتع بما يستطيع من الرحلة دون أن يتخلى عن هدفه، وأن يمنح أسرته وقتًا حتى في فترات الانشغال، وأن يهتم بصحته قبل أن تضطره الظروف إلى الاهتمام بها، وأن يترك لنفسه مساحة للقراءة والتفكير والراحة. فالسنوات التي يقضيها الإنسان في الوصول ليست سنوات مؤقتة يمكن استعادتها لاحقًا، وإنما هي حياته نفسها.
ومن الأمور التي قد تجعل النجاح غير كافٍ أيضًا أن الإنسان يربطه برأي الآخرين. فإذا كان شعورك بقيمة نفسك يعتمد دائمًا على إعجاب الناس بك، فلن يكفيك أي نجاح؛ لأن آراء الناس متغيرة. اليوم قد يمدحك شخص، وغدًا قد ينتقدك، وقد تنجح في نظر مجموعة من الناس بينما يرى آخرون أنك لم تحقق ما يكفي. ولهذا فإن بناء تقدير الإنسان لذاته على ما يقوله الآخرون يجعله يعيش في حالة مستمرة من البحث عن القبول.
أما عندما يعرف الإنسان قيمته بعيدًا عن التصفيق، يصبح النجاح شيئًا يضيف إلى حياته بدل أن يكون الوسيلة الوحيدة التي يستخدمها لإثبات نفسه. قد ينجح الإنسان ولا يحتاج إلى أن يشرح نجاحه للجميع، وقد يعمل في هدوء ويطور نفسه ويحقق أهدافه دون أن يشعر بأنه مطالب بإقناع العالم بأنه يستحق ما وصل إليه. وهذا لا يعني تجاهل آراء الآخرين، فالإنسان يحتاج إلى الملاحظات والنقد والتعلم من تجارب غيره، لكن هناك فرقًا بين أن تستفيد من رأي الآخرين وبين أن تجعل هذا الرأي هو المصدر الوحيد الذي يحدد قيمتك.
ومع الوقت قد يكتشف الإنسان أن النجاح يحتاج إلى حياة يستطيع الاستمرار فيها. فإذا كان النجاح يتطلب نمط حياة لا تستطيع الاستمرار فيه، فقد تحتاج إلى إعادة النظر في الطريقة، وليس بالضرورة في الهدف. ربما تستطيع أن تحقق الهدف نفسه بطريقة أكثر توازنًا، وربما تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتك بدل التخلي عن طموحك. ليس كل نجاح يحتاج إلى التضحية الدائمة، ويمكن للإنسان أن يكون طموحًا وأن يكون هادئًا في الوقت نفسه، وأن يسعى إلى زيادة دخله دون أن يجعل المال محور حياته بالكامل، وأن يطور عمله دون أن يحول كل يوم إلى ساعات طويلة من الضغط، وأن ينجح في مجاله وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقاته ووقته الشخصي.
والتوازن هنا ليس حالة مثالية ثابتة، وإنما عملية مستمرة. ففي بعض المراحل يحتاج الإنسان إلى التركيز على العمل أكثر، وفي مراحل أخرى يحتاج إلى الاهتمام بأسرته أو صحته أو نفسه. الحياة تتغير، ولذلك تحتاج الأولويات إلى أن تتغير معها. وربما من أكثر الأشياء التي لا ننتبه إليها أن النجاح الحقيقي لا يتعلق فقط بما نصل إليه، وإنما بمن نصبح أثناء الوصول.
إذا جعلنا النجاح أكثر حكمة، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على تقدير الآخرين، وأكثر معرفة بأنفسنا، فإنه يصبح ذا قيمة أكبر. أما إذا جعلنا النجاح أكثر غرورًا، وأكثر قسوة، وأكثر انشغالًا بالمظاهر، فقد نكون حققنا شيئًا من الخارج وخسرنا شيئًا من الداخل. وهنا يمكن أن نعيد النظر في معنى النجاح بطريقة أكثر ارتباطًا بالحياة نفسها؛ فليس النجاح أن تمتلك أكثر من الآخرين، وإنما أن تصل إلى ما يناسبك دون أن تفقد نفسك، وليس النجاح أن تعمل بلا توقف، وإنما أن تبني حياة تستطيع الاستمرار فيها، وليس النجاح أن يعرفك الجميع، وإنما أن تعرف أنت لماذا تفعل ما تفعل.
النجاح مهم، لكنه ليس الإجابة النهائية عن الحياة. نحتاج إليه لأنه يساعدنا على التطور والاستقرار وتحقيق بعض أهدافنا، لكننا نحتاج أيضًا إلى المعنى، والعلاقات، والوقت، والراحة، والصحة، والرضا الداخلي. نحتاج إلى أن نشعر بأن حياتنا ليست مجرد سباق طويل نحو إنجاز جديد. وقد يكون أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في مرحلة من حياته أن يتوقف عن سؤال نفسه: ماذا أحتاج حتى أصبح ناجحًا؟ ويبدأ في سؤال أكثر عمقًا: ماذا أحتاج حتى تكون حياتي جيدة بالنسبة إلي؟
عندها قد تتغير أشياء كثيرة. قد يصبح الوقت أكثر قيمة من بعض الممتلكات، وقد تصبح العلاقات الصادقة أهم من العلاقات الكثيرة، وقد يصبح العمل الذي يمنح الإنسان معنى أكثر أهمية من العمل الذي يمنحه مكانة فقط، وقد يصبح الهدوء هدفًا مشروعًا بعد سنوات من الركض. وربما يكتشف الإنسان في النهاية أن النجاح لم يكن المشكلة، وإنما الطريقة التي فهم بها النجاح.
فإذا جعلناه غاية وحيدة، فلن يكفينا مهما وصلنا. وإذا جعلناه وسيلة لبناء حياة أكثر استقرارًا ومعنى، فإنه يصبح جزءًا جميلًا من الرحلة، لا الرحلة كلها. الحياة أكبر من الإنجاز، والإنسان أكبر من وظيفته، وقيمته أكبر من دخله، ونجاحه أكبر من الصورة التي يراه بها الآخرون. وما يبقى في النهاية ليس عدد الأهداف التي حققها فقط، وإنما الطريقة التي عاش بها، والأثر الذي تركه، والأشخاص الذين شاركهم أيامه، والإنسان الذي أصبحه بعد كل هذه السنوات.
ولهذا، حين لا يكفي النجاح وحده، لا يعني ذلك أننا فشلنا في النجاح، بل ربما يعني أننا بدأنا نفهم الحياة بصورة أعمق. فالنجاح يمكن أن يفتح الباب، لكنه لا يخبرنا دائمًا إلى أين ندخل، والإنسان هو من يقرر ماذا يريد أن يجد خلف ذلك الباب.
