كاتبه | رامي فلمبان
يظن بعض الناس أن الإدارة تعني إصدار التعليمات، ومتابعة تنفيذها، ومحاسبة المقصرين عند حدوث الأخطاء. وربما يبدو هذا التصور منطقيًا في بيئة يكون فيها المدير صاحب القرار والموظف منفذًا له، لكنه لا يفسر وحده لماذا تنجح بعض الفرق في العمل باستقلالية ومسؤولية، بينما تحتاج فرق أخرى إلى متابعة مستمرة حتى في أبسط التفاصيل. فالإدارة لا تتعلق فقط بما يستطيع المدير أن يأمر به، وإنما بما يستطيع أن يبنيه من وضوح وثقة ومسؤولية داخل الفريق. ولهذا فإن السلطة قد تجعل الموظف ينفذ، لكنها لا تكفي وحدها لأن تجعله يبادر أو يفكر أو يشعر بأن نجاح العمل يعنيه شخصيًا.
تبدأ الإدارة الحقيقية عندما يدرك المدير أن الأشخاص لا يأتون إلى العمل بمجرد مجموعة من المهام، وإنما يحمل كل واحد منهم خبرته وطموحه وطريقته في التفكير وتوقعاته من المكان الذي يعمل فيه. قد يستطيع المدير أن يحدد ما يجب إنجازه، لكنه لا يستطيع أن يأمر شخصًا بأن يشعر بالانتماء أو أن يبادر من داخله. هذه الأمور تُبنى مع الوقت من خلال طريقة التعامل، ووضوح التوقعات، والعدل، والاستماع، والقدرة على ربط العمل بهدف يفهمه الفريق. وعندما يشعر الموظف أن جهده له قيمة وأنه يعرف لماذا يقوم بما يقوم به، تصبح المسؤولية أعمق من مجرد تنفيذ تعليمات.
وهنا يظهر الفرق بين المدير الذي يعتمد على منصبه والمدير الذي يستطيع التأثير في فريقه. الأول يستطيع أن يقول: «افعل هذا»، أما الثاني فيجعل الفريق يفهم ما المطلوب ولماذا هو مهم، ثم يمنحه المساحة المناسبة لإنجاز العمل. وهذا لا يعني أن الإدارة المؤثرة تتخلى عن السلطة أو الأنظمة أو المحاسبة؛ فالمؤسسات تحتاج إلى قواعد واضحة، والمسؤوليات تحتاج إلى حدود، والأخطاء تحتاج إلى معالجة. لكن وجود هذه الأدوات لا يعني أن الإدارة يجب أن تتحول إلى مراقبة مستمرة لكل حركة يقوم بها الموظف.
والتأثير لا يبدأ بالكلمات الجميلة، وإنما بسلوك المدير نفسه. فمن الصعب أن يطلب قائد من فريقه احترام الوقت وهو لا يحترم مواعيده، أو أن يطالبهم بالهدوء عند الأزمات بينما يكون أول من يفقد اتزانه، أو أن يتحدث عن التعاون ثم يتعامل مع الموظفين بطريقة تجعل كل واحد منهم يعمل منفردًا دفاعًا عن نفسه. في بيئة العمل، لا يتعلم الناس من التعليمات وحدها؛ بل يراقبون ما يحدث أمامهم، ويكوّنون من خلاله تصورًا حقيقيًا عن القيم التي تطبقها الإدارة، لا تلك التي تكتبها في اللوائح.
ومن هنا تأتي أهمية الحزم، لأن بعض المديرين يخلطون بين الحزم والقسوة. الحزم لا يعني رفع الصوت أو التخويف أو جعل الموظف يشعر بأن الخطأ الشخصي قد يتحول إلى إهانة أمام الآخرين. الحزم الحقيقي هو أن تكون التوقعات واضحة، وأن تكون المسؤوليات معروفة، وأن تطبق الأنظمة بعدل واتساق، وأن يعرف الموظف أن أداءه سيُقيّم على أساس مفهوم. ويمكن للمدير أن يكون حازمًا ومحترمًا في الوقت نفسه؛ بل إن وضوحه واحترامه قد يجعلان قراراته أكثر قابلية للفهم والتطبيق.
وتظهر قيمة هذا الأسلوب بصورة أكبر عندما يقع الخطأ. فالمدير الذي ينظر إلى الخطأ باعتباره فرصة للعثور على شخص يحمّله المسؤولية قد ينتهي إلى معرفة من أخطأ، لكنه لا يعرف بالضرورة لماذا وقع الخطأ. أما المدير الذي يسأل عن أسبابه، وعن الظروف التي أحاطت به، وعن وجود خلل في الإجراء أو التواصل أو التدريب، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية أوسع. ولا يعني ذلك إلغاء المساءلة أو إعفاء الموظف من مسؤوليته، وإنما يعني أن الهدف من المحاسبة ينبغي أن يكون تصحيح الأداء وحماية العمل، لا مجرد البحث عن شخص يتحمل اللوم.
ومع مرور الوقت، تظهر نتائج الإدارة التي تقوم على الأوامر وحدها في سلوك الفريق. فقد يتعود الموظفون على انتظار التعليمات في كل خطوة، ليس لأنهم لا يملكون القدرة على المبادرة، وإنما لأن بيئة العمل علمتهم أن المبادرة قد تكون مخاطرة. وفي هذه الحالة يصبح السؤال المتكرر: «ماذا أفعل؟» بدلًا من «ما أفضل طريقة لإنجاز هذا العمل؟». وقد يبدو هذا النوع من الانضباط مريحًا للمدير في البداية، لأنه يشعر أن كل شيء تحت سيطرته، لكنه قد يصبح عبئًا على المؤسسة عندما تتسع الأعمال أو تتسارع التغييرات وتصبح القرارات المطلوبة أكثر من قدرة شخص واحد على متابعتها.
ولهذا فإن بناء الثقة لا يعني أن يترك المدير فريقه يعمل بلا توجيه، بل أن يحدد المساحة التي يستطيع الموظف أن يتحرك فيها، ثم يسمح له بتحمل مسؤوليتها. فالموظف لا يحتاج دائمًا إلى مدير يتخذ عنه كل قرار، وإنما يحتاج إلى مدير يعرف متى يتدخل ومتى يترك له المجال. وكلما نضج الفريق، أصبح من الممكن أن تنتقل بعض القرارات من مكتب المدير إلى الأشخاص الأقرب إلى تفاصيل العمل، مع بقاء المساءلة والوضوح قائمين.
ومن أكثر الأدوات التي تساعد المدير على التأثير الاستماع. والاستماع الإداري لا يعني أن يوافق المدير على كل ما يسمعه، وإنما أن يمنح الموظف فرصة حقيقية لشرح ما يراه وما يواجهه قبل أن يصدر الحكم. أحيانًا تكون المشكلة التي تظهر في تقرير الأداء مختلفة عن المشكلة التي يعيشها الموظف في الواقع، وأحيانًا يعرف الشخص الأقرب إلى العملية التشغيلية خللًا لا يظهر في التقارير. وعندما يستمع المدير، فإنه لا يتنازل عن سلطته، بل يحصل على معلومات أفضل تساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.
ويأتي التواصل الواضح في المرتبة نفسها من الأهمية. عندما يعرف الموظف المطلوب منه فقط دون أن يفهم الهدف، فقد ينفذ المهمة بصورة صحيحة من الناحية الشكلية لكنها لا تحقق الغرض الذي من أجله طلبت. أما عندما يفهم الهدف والسياق وحدود مسؤوليته، فإنه يصبح أكثر قدرة على التصرف عندما تتغير التفاصيل. ولهذا فإن شرح الغاية لا يضيف وقتًا إلى العمل بقدر ما يوفر أحيانًا وقتًا كان سيضيع في تصحيح سوء الفهم أو إعادة تنفيذ المهمة.
ولا يعني هذا أن كل قرار يحتاج إلى نقاش طويل، أو أن المدير يجب أن يشرح كل شيء للجميع. الإدارة الجيدة تعرف أيضًا متى يكون القرار واضحًا ويحتاج إلى تنفيذ مباشر، ومتى تكون المشاركة ضرورية، ومتى تكون سرعة القرار أهم من توسيع دائرة النقاش. فنحن لا ننتقل من الإدارة بالأوامر إلى الإدارة بلا قيادة؛ وإنما ننتقل من استخدام السلطة باعتبارها الأداة الوحيدة إلى استخدام مجموعة أوسع من الأدوات بحسب الموقف.
وفي بيئات العمل التي تتغير فيها الأسواق والأنظمة والتقنيات بسرعة، تصبح هذه القدرة أكثر أهمية. فالمدير لن يستطيع أن يعرف كل التفاصيل، ولن يكون حاضرًا في كل موقف، ولذلك يحتاج إلى فريق يستطيع التفكير والتصرف ضمن الإطار الذي وضعه. وكلما نجح في بناء هذا المستوى من الاستقلالية، أصبح دوره أقل ارتباطًا بمراقبة التفاصيل اليومية وأكثر ارتباطًا بتحديد الاتجاه، وإزالة العوائق، وتطوير الأشخاص، والتأكد من أن الجهود المختلفة تسير نحو الهدف نفسه.
وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى التأثير باعتباره وسيلة لجعل الموظفين يفعلون ما يريده المدير فقط. التأثير الإداري الناضج هو علاقة متبادلة؛ فالمدير يؤثر في طريقة عمل الفريق، والفريق يؤثر بدوره في قرارات المدير من خلال المعلومات والخبرات التي يقدمها. وقد يغير المدير قرارًا بعد أن يسمع من موظفيه ما لم يكن واضحًا له، وهذه ليست علامة ضعف، بل دليل على أن المؤسسة تسمح للمعلومة بأن تصل إلى المكان الذي تُتخذ فيه القرارات.
كما أن أثر الإدارة لا يتوقف عند حدود الفريق. الطريقة التي يعامل بها المدير موظفيه قد تنعكس على طريقة تعاملهم مع العملاء والزملاء والشركاء، لأن الثقافة التنظيمية لا تبقى حبيسة الاجتماعات واللوائح. فإذا كان الاحترام والوضوح والمساءلة جزءًا من الممارسة اليومية، فمن المرجح أن تظهر هذه القيم في تفاصيل العمل. أما إذا أصبحت العلاقة الداخلية قائمة على الخوف واللوم، فقد تظهر آثار ذلك في التعاون وجودة التواصل وطريقة التعامل مع المشكلات.
وفي النهاية، الإدارة ليست مجرد صلاحيات يمنحها المنصب، كما أنها ليست التخلي عن الحزم أو ترك الفريق يفعل ما يشاء. هي القدرة على استخدام السلطة عندما تكون ضرورية، وبناء الثقة عندما تكون الثقة هي الأداة الأنسب، والاستماع عندما تكون المعلومة ناقصة، والتوجيه عندما يحتاج الفريق إلى وضوح، والمحاسبة عندما تكون المسؤولية واضحة. والمدير الذي يفهم هذا التوازن لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في كل التفاصيل حتى يشعر أن العمل يسير؛ لأنه يعمل على بناء فريق يعرف ما الذي يفعله، ولماذا يفعله، وما الذي يتحمل مسؤوليته.
وربما يكون الفارق الحقيقي بين من يدير بالأوامر ومن يقود بالتأثير أن الأول يجعل العمل يتوقف على وجوده، بينما يحاول الثاني أن يبني فريقًا يستطيع أن يعمل بكفاءة حتى عندما لا يكون حاضرًا في كل لحظة. وهنا تتحول الإدارة من ممارسة للسلطة إلى بناء للقدرة، ومن متابعة الأشخاص إلى تطويرهم، ومن إصدار التعليمات إلى صناعة بيئة يعرف فيها كل فرد دوره وقيمته ومسؤوليته. وهذه ليست مجرد طريقة مختلفة في إدارة العمل، بل رؤية تجعل الإنسان جزءًا من نجاح المؤسسة، لا مجرد منفذ لما يصدر إليه من أوامر.
