صدمة استقالة الكفاءات

كاتبه | رامي فلمبان
حين يغادر موظف من بيئة العمل، قد تتمكن المؤسسة من توزيع مهامه مؤقتًا، ثم تبدأ البحث عن بديل مناسب. لكن الأمر يختلف عندما يغادر موظف يمتلك خبرة متراكمة، أو معرفة يصعب نقلها، أو علاقة طويلة مع العملاء والزملاء، أو قدرة على التعامل مع تفاصيل العمل التي لا تظهر كلها في الوصف الوظيفي. عندها لا يكون الأمر مجرد شاغر وظيفي يحتاج إلى من يشغله، وإنما فراغًا قد يظهر أثره في أكثر من جانب من جوانب المؤسسة.
المشكلة أن الإدارة قد لا تكتشف حجم هذا الفراغ في اللحظة التي يقدم فيها الموظف استقالته. أحيانًا تبدأ الصورة في الظهور بعد مغادرته، عندما يكتشف الفريق أن بعض الإجراءات كانت تعتمد على خبرته الشخصية، وأن بعض العلاقات كانت مرتبطة به، وأن هناك تفاصيل كثيرة يعرفها من خلال سنوات عمله لكنها لم تكن مكتوبة في أي دليل أو نظام. عندها تدرك المؤسسة أن ما كانت تعتبره موظفًا يؤدي مهامه كان يحمل في الحقيقة جزءًا من المعرفة المتراكمة للمكان.
وهنا تصبح استقالة الكفاءة أكثر من مجرد قرار فردي. فالموظف لا يأخذ معه الملفات التي كان يعمل عليها فقط، بل قد يغادر ومعه معرفة بالسياق، وفهم للمشكلات المتكررة، وخبرة في التعامل مع العملاء، ومعرفة بالأشخاص والعمليات التي لا يمكن اكتسابها في أسابيع قليلة. ولهذا فإن تعويضه بإعلان توظيف جديد لا يعني بالضرورة أن المؤسسة عوضت ما فقدته؛ لأن البديل قد يمتلك المؤهلات نفسها على الورق، لكنه يحتاج إلى وقت حتى يفهم المكان ويكتسب المعرفة التي بناها سلفه خلال سنوات.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا استقال الموظف؟ وإنما: لماذا كانت المؤسسة تحتاج إلى بقائه حتى لا يتعطل جزء من العمل؟
هذه نقطة يغفل عنها بعض المديرين. فالاعتماد الكبير على موظف واحد قد يبدو في البداية علامة على كفاءته، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى نقطة ضعف تنظيمية. عندما تصبح معرفة مهمة، أو علاقة رئيسية، أو عملية حساسة مرتبطة بشخص واحد، فإن المؤسسة تكون قد بنت جزءًا من عملها حول فرد بدلًا من أن تبنيه حول نظام يستطيع الاستمرار.
ولهذا فإن الاحتفاظ بالكفاءات لا يعني فقط محاولة إقناع الموظف بالبقاء عندما يقرر الرحيل. الاحتفاظ الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال معرفة ما الذي يجعل الأشخاص الأكفاء يستمرون، وما الذي يجعلهم يشعرون بأن خبرتهم لها قيمة، وما إذا كانت لديهم مساحة للتعلم والتطور وتحمل مسؤوليات تتناسب مع قدراتهم.
فالراتب مهم، ولا يمكن التقليل من أثره، لكن العلاقة بين الموظف والمؤسسة لا تقوم على الراتب وحده. هناك التقدير، والوضوح، وفرص النمو، وطبيعة الإدارة، والقدرة على إبداء الرأي، والشعور بأن الجهد الذي يبذله الإنسان له أثر. وقد تكون هذه العوامل مختلفة من شخص إلى آخر، ولذلك لا توجد وسيلة واحدة تضمن بقاء جميع الكفاءات.
كما أن الاستقالة لا تعني دائمًا أن الإدارة أخطأت. قد يغادر الموظف لأنه وجد فرصة مختلفة، أو لأنه يريد تغيير مساره المهني، أو لأسباب شخصية، أو لأنه وصل إلى مرحلة لم يعد فيها الدور الحالي مناسبًا لأهدافه. لذلك من الخطأ أن تتعامل المؤسسة مع كل استقالة باعتبارها فشلًا إداريًا، كما أنه من الخطأ أن تتجاهلها باعتبارها مجرد حركة طبيعية في سوق العمل.
المهم هو أن تتعلم المؤسسة من المغادرة نفسها.
قد تكون مقابلة الخروج مجرد إجراء روتيني تنتهي بتوقيع الأوراق، وقد تتحول إلى مصدر مهم لفهم ما الذي كان يمكن تحسينه. لماذا قرر الموظف المغادرة؟ ما الذي كان يراه ولا تراه الإدارة؟ هل كانت هناك مشكلة في الدور، أم في الإدارة، أم في فرص التطور، أم في طريقة اتخاذ القرارات؟ والأهم: هل هناك موظفون آخرون يعيشون التجربة نفسها لكنهم لم يتخذوا قرار المغادرة بعد؟
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو ما يحدث بعد الاستقالة. فإذا كانت المؤسسة لا توثق المعرفة المهمة، ولا تنقل المسؤوليات، ولا تبني أكثر من شخص قادر على أداء العمليات الأساسية، فإنها تجعل كل مغادرة أكثر تكلفة. أما عندما تكون المعرفة موزعة، والإجراءات واضحة، والمهام قابلة للنقل، والعلاقات المؤسسية لا تعتمد بالكامل على فرد واحد، فإن مغادرة حتى الموظف الخبير تصبح أقل اضطرابًا.
وهذا لا يعني أن المؤسسة يجب أن تعامل الإنسان كأنه قابل للاستبدال بسهولة. على العكس، معرفة أن الموظف قد يغادر في أي وقت ينبغي أن تدفعها إلى بناء نظام يحفظ المعرفة، وفي الوقت نفسه يحافظ على تقدير الإنسان الذي صنع تلك المعرفة. فالمؤسسة التي توثق الإجراءات لأنها تخشى مغادرة الموظف ليست مثل المؤسسة التي تفعل ذلك لأنها تدرك أن المعرفة يجب أن تصبح جزءًا من أصولها التنظيمية.
أما محاولة إنقاذ الموظف في اللحظة الأخيرة بعرض مالي كبير، فقد تنجح في بعض الحالات وقد لا تنجح في حالات أخرى. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح هذه الطريقة هي الوسيلة الوحيدة التي تعرفها الإدارة للتعامل مع الاستقالات. إذا لم تفهم المؤسسة أسباب المغادرة، فإن زيادة الراتب قد تؤجل القرار دون أن تعالج السبب الذي دفع إليه.
الكفاءة الحقيقية في إدارة المواهب لا تظهر فقط في القدرة على استقطاب الأشخاص المتميزين، وإنما في القدرة على بناء بيئة تجعلهم قادرين على العمل والنمو، وفي الوقت نفسه بناء مؤسسة لا تنهار عندما يغادر أحدهم.
فالكفاءة مهمة، لكن المؤسسة الأكثر نضجًا هي التي لا تسمح بأن تتحول كفاءة الفرد إلى اعتماد كامل عليه. إنها تستفيد من خبرته، وتنقل معرفته، وتبني حوله فريقًا قادرًا على التعلم، وتحول ما يعرفه من خبرة شخصية إلى معرفة مؤسسية يمكن أن تستمر بعده.
لهذا قد تكون استقالة أحد الموظفين فرصة للمؤسسة كي ترى شيئًا لم تكن تراه وهي موجودة: أين توجد المعرفة التي لا نملكها إلا في رأس شخص واحد؟ أين تعتمد علاقاتنا على فرد بدلًا من المؤسسة؟ وما الذي سيحدث إذا غادر غدًا شخص آخر نعتقد أننا لا نستطيع الاستغناء عنه؟
الاستقالة في حد ذاتها ليست دائمًا أزمة، لكن طريقة المؤسسة في التعامل معها هي التي تحدد حجم أثرها. وإذا كانت مغادرة موظف واحد تكشف أن جزءًا كبيرًا من العمل كان قائمًا عليه وحده، فالمشكلة لم تبدأ يوم استقالته؛ بل بدأت يوم سمحت المؤسسة لهذا الاعتماد أن يتكون دون أن تنتبه إليه.
وربما لهذا فإن أفضل طريقة لحماية المؤسسة من صدمة استقالة الكفاءات ليست أن تمنع الجميع من الرحيل، فهذا أمر لا يمكن ضمانه، وإنما أن تبني مكانًا يستحق أن يبقى فيه أصحاب الخبرة، ونظامًا يستطيع أن يستمر حتى عندما يختار أحدهم الرحيل.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان