لماذا نخاف من الاستثمار؟

كاتبه | رامي فلمبان
كثير من الناس يتحدثون عن الاستثمار وكأنه خطوة بسيطة. يقرأ أحدهم عن فرصة ناجحة، أو يسمع قصة شخص تضاعفت أمواله، فيبدو الأمر من الخارج سهلًا: تضع جزءًا من مالك في استثمار مناسب، ثم تنتظر النتائج.
لكن عندما تأتي اللحظة التي يفكر فيها الإنسان فعلًا في وضع جزء من أمواله في استثمار حقيقي، يتغير الأمر.
تبدأ الأسئلة في الظهور: ماذا لو خسرت؟ ماذا لو اخترت المجال الخطأ؟ ماذا لو انخفضت قيمة ما استثمرت فيه؟ ماذا لو احتجت المال فجأة؟ وماذا لو كان كل ما أسمعه عن الاستثمار مجرد مبالغة؟
هذا التردد مفهوم؛ لأن المال بالنسبة إلى الإنسان ليس مجرد رقم في حساب مصرفي. هو جزء من شعوره بالأمان، ووسيلته لتلبية احتياجاته، وما يدخره لمستقبله وأسرته، وربما خلاصة سنوات طويلة من العمل. ولذلك فإن احتمال خسارة جزء منه لا يُشعره بأنه فقد رقمًا فقط، وإنما بأنه اقترب من منطقة تمس استقراره.
لكن المشكلة لا تكمن في الخوف نفسه، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه.
عندما يكون الخوف ناتجًا عن الجهل
هناك فرق كبير بين أن يخاف الإنسان من الاستثمار لأنه لا يعرف عنه شيئًا، وبين أن يكون مدركًا للمخاطر بعد أن تعلم وفهم.
في الحالة الأولى، يصبح الخوف حاجزًا يمنعه حتى من التعلم. كلما سمع عن استثمار أغلق الباب، وكلما تحدث أحد عن الأسواق تذكر احتمال الخسارة، فيبقى بعيدًا عن الموضوع دون أن يعرف حتى ما الذي يخشاه بالتحديد.
أما في الحالة الثانية، فإن معرفة المخاطر لا تمنع الإنسان بالضرورة من الاستثمار، لكنها تجعله أكثر هدوءًا في التعامل معه.
فالاستثمار في جوهره ليس وعدًا بالربح، ولا وسيلة مضمونة لمضاعفة المال. إنه قرار يرتبط بهدف ومدة ومخاطر وقدرة على تحمل النتائج. وما يبدو فرصة مناسبة لشخص قد لا يكون مناسبًا لشخص آخر، حتى لو كان الاثنان يمتلكان المبلغ نفسه.
وهنا يبدأ الفرق بين الخوف الذي يمنع التفكير، والخوف الذي يدفع إلى التفكير.
نحن نسمع عن النتيجة أكثر مما نسمع عن الطريق
ربما كان جزء من المشكلة أن القصص التي تصل إلينا عن الاستثمار غالبًا ما تبدأ من النهاية.
نسمع عن شخص حقق عائدًا كبيرًا، أو عن مشروع ارتفعت قيمته، أو عن استثمار نجح خلال سنوات. لكننا لا نرى دائمًا ما حدث قبل هذه النتيجة: كم انتظر صاحب التجربة؟ وما مقدار المخاطر التي تحملها؟ وما القرارات التي لم تنجح؟ وما الظروف التي ساعدته؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث بشكل مختلف؟
عندما تصل القصة إلينا بعد نجاحها، تبدو وكأنها كانت واضحة منذ البداية.
وهذا التصور قد يقود إلى نتيجتين متناقضتين. قد يصدق الإنسان الوعود السريعة ويدخل في قرار لا يفهمه، أو يخاف من التجارب كلها ويقرر ألا يستثمر أمواله أبدًا.
وفي الحالتين توجد مشكلة واحدة: أن القرار لم يُبنَ على معرفة كافية.
الاستثمار يبدأ قبل أن تضع مالك
قبل أن يسأل الإنسان: أين أستثمر؟ ربما يحتاج إلى سؤال أبسط: لماذا أريد أن أستثمر أصلًا؟
هل لديه هدف واضح؟ هل يحتاج المال قريبًا؟ هل يستطيع تحمل انخفاض قيمة الاستثمار لفترة؟ هل يفهم طبيعة المجال الذي يفكر في الدخول إليه؟ وهل يستطيع تحمل الخسارة المحتملة دون أن تؤثر في احتياجاته الأساسية؟
هذه الأسئلة قد تبدو أقل إثارة من البحث عن فرصة تحقق عائدًا مرتفعًا، لكنها أكثر أهمية في بناء قرار متزن.
فالعائد المحتمل لا يأتي عادةً منفصلًا عن درجة من عدم اليقين، وكلما ارتفعت التوقعات بالعائد، أصبح فهم المخاطر أكثر أهمية.
ولهذا فإن الاستثمار لا ينبغي أن يبدأ بالحماس، وإنما بالفهم.
عندما تصبح التقلبات اختبارًا للمشاعر
قد يبدو الإنسان متزنًا جدًا وهو يتحدث عن الاستثمار قبل أن يضع ماله فيه. لكن المشاعر تتغير عندما تصبح الأرقام مرتبطة بمدخراته الحقيقية.
إذا ارتفعت قيمة الاستثمار، يشعر بالاطمئنان. وإذا انخفضت، قد يشعر بأن شيئًا قد انتزع منه، حتى لو لم يتغير هدف الاستثمار ولا المدة التي قررها.
وهنا تظهر أهمية فهم طبيعة التقلبات.
انخفاض قيمة استثمار ما في فترة معينة لا يعني وحده أن القرار كان خاطئًا، كما أن ارتفاعه لا يعني بالضرورة أن القرار كان صائبًا. النتيجة في الحالتين تحتاج إلى أن تُفهم في سياق نوع الاستثمار، والمدة، والهدف، والمخاطر المرتبطة به.
ومن لا يضع هذه الأمور في حسابه قد يجد نفسه يتخذ قراراته تحت تأثير الخوف أو الحماس، فيشتري عندما يكون متحمسًا، ويبيع عندما يصبح خائفًا، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا لم تنجح تجربته.
ليس كل خوف دعوة إلى التراجع
ليس الخوف دائمًا علامة على أن القرار خاطئ.
أحيانًا يكون الخوف إشارة مفيدة إلى أن هناك شيئًا لم نفهمه بعد. فإذا كان الإنسان لا يعرف كيف يعمل الاستثمار الذي يفكر فيه، فمن الطبيعي أن يتوقف ويسأل ويقرأ ويتحقق قبل أن يضع أمواله.
المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التمهل إلى هروب دائم من المعرفة.
قد يقول شخص: لا أريد الاستثمار لأنني أخاف خسارة المال. لكن من المفيد أن يسأل نفسه أيضًا: هل عدم الاستثمار يعني أن أموالي أصبحت بعيدة عن كل المخاطر؟
ليس بالضرورة.
فاحتياجات المستقبل قد تتغير، والقوة الشرائية للنقود قد تتأثر مع مرور الوقت، والاعتماد على مصدر دخل واحد قد يحمل بدوره مخاطر. وهذا لا يعني أن الاستثمار هو الحل لهذه المخاطر جميعًا، وإنما يعني أن الحياة المالية لا تخلو من المخاطر أصلًا، وأن السؤال الحقيقي هو كيف يفهم الإنسان هذه المخاطر ويديرها بما يتناسب مع ظروفه.
حين لا يكون الاستثمار هو الخطوة الأولى
من الأخطاء أن نتعامل مع الاستثمار وكأنه خطوة يجب أن يقوم بها الجميع وفي الوقت نفسه.
قد يحتاج الإنسان أولًا إلى ترتيب التزاماته المالية، أو تكوين احتياطي مناسب، أو معالجة ديون، أو تحسين طريقة إدارة دخله. وقد يكون وضعه المالي في مرحلة لا تسمح له بتحمل مخاطرة إضافية.
لذلك لا تبدأ الرحلة الاستثمارية دائمًا من السوق.
أحيانًا تبدأ من تنظيم الحياة المالية نفسها.
وعندما يصبح الوضع المالي أكثر وضوحًا، يستطيع الإنسان أن يسأل سؤالًا أكثر نضجًا: هل لدي جزء من المال يمكنني تخصيصه لهذا الغرض، وهل أفهم الشيء الذي سأضعه فيه؟
هذا السؤال يختلف كثيرًا عن سؤال: كيف أضاعف أموالي بسرعة؟
لا تجعل نجاح الآخرين يحدد قرارك
من أكثر الأشياء التي يمكن أن تزيد الخوف من الاستثمار أن نقارن نتائجنا بنتائج الآخرين.
قد نرى شخصًا حقق عائدًا مرتفعًا في مجال معين، فنشعر أننا تأخرنا، ونبدأ في التفكير في الدخول حتى لا تفوتنا الفرصة. وفي لحظة كهذه قد يتحول الاستثمار من قرار مبني على هدف واضح إلى محاولة للحاق بالآخرين.
وهذا لا يساعد على اتخاذ قرار متزن.
لكل شخص دخله والتزاماته وأهدافه وقدرته على تحمل المخاطر ومعرفته وخبرته. وما يناسب شخصًا لديه خبرة طويلة في مجال معين قد لا يناسب شخصًا يدخل إليه للمرة الأولى.
الاستثمار ليس سباقًا بين الأشخاص، ولا توجد جائزة لمن دخل أولًا.
الأهم أن تعرف لماذا دخلت، وماذا تتوقع، وما الذي تستطيع تحمله إذا لم تسر الأمور كما كنت تتمنى.
المعرفة لا تلغي المخاطر
قد يتصور البعض أن التعلم سيقودهم في النهاية إلى الاستثمار الذي لا يخسر.
وهذا تصور غير واقعي.
المعرفة لا تمنح الإنسان قدرة على التنبؤ بالمستقبل، ولا تجعل الأسواق أو الأعمال خالية من التقلبات. لكنها تمنحه شيئًا آخر أكثر أهمية: القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وفهم ما يسمعه، والتمييز بين المعلومة والتسويق، وبين الفرصة التي يفهمها والقرار الذي يدخل إليه لمجرد أن الآخرين يتحدثون عنه.
ولهذا فإن التدرج قد يكون أكثر فائدة من الاندفاع.
يمكن للإنسان أن يبدأ بالقراءة، ثم يتعرف على المفاهيم الأساسية، ويفهم أنواع الاستثمارات المختلفة، ويدرس المخاطر المرتبطة بها، ثم ينظر فيما إذا كان هناك ما يتناسب مع وضعه وأهدافه.
ليس المطلوب أن يعرف كل شيء في يوم واحد، وإنما ألا يضع أمواله في شيء لا يفهمه.
عندما يصبح الخوف أكثر هدوءًا
ربما لا يحتاج الإنسان إلى التخلص من الخوف حتى يصبح قادرًا على اتخاذ قرار مالي.
الهدف ليس أن تختفي المخاوف، وإنما أن تصبح تحت السيطرة.
عندما يعرف الإنسان هدفه، ويفهم طبيعة القرار الذي يفكر فيه، ويدرك مقدار المخاطرة التي يمكنه تحملها، يصبح القلق مختلفًا. لا يعود خوفًا كاملًا من المجهول، وإنما يصبح جزءًا طبيعيًا من التفكير.
وقد يكون من الحكمة أحيانًا أن يستشير الإنسان مختصًا مؤهلًا عندما تكون المسألة معقدة أو عندما تكون قيمة القرار كبيرة بالنسبة إلى وضعه المالي. فالاستشارة الجيدة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن مسؤوليته عن قراره، وإنما أن يضيف إلى معرفته مصدرًا يساعده على رؤية ما قد لا يراه وحده.
في المقابل، لا ينبغي أن يكون القرار مبنيًا على عبارة مثل «الفرصة لن تتكرر»، أو على ضغط اجتماعي، أو على وعد بعائد مضمون. القرار المالي الذي يحتاج إلى استعجال دائم حتى يتم اتخاذه يستحق قدرًا أكبر من التحقق والتفكير.
من الخوف إلى الوعي
ربما لا نخاف من الاستثمار بسبب الاستثمار نفسه.
نحن نخاف على المال الذي تعبنا في جمعه، ونخاف من اتخاذ قرار نندم عليه، ونخاف من أن نخسر بينما نرى الآخرين ينجحون، ونخاف أحيانًا لأننا لا نعرف ماذا سيحدث بعد أن نضع أموالنا في شيء لا نسيطر على نتائجه بالكامل.
لكن الخوف وحده لا ينبغي أن يكون مستشارنا المالي.
فالابتعاد عن الاستثمار لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر أمانًا، كما أن الدخول في أي استثمار لا يعني أننا أصبحنا أكثر وعيًا. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تتعلق بفهم وضعنا المالي، ومعرفة أهدافنا، والتعلم قبل اتخاذ القرار، والابتعاد عن الوعود غير الواقعية، وعدم المخاطرة بأموال لا نستطيع تحمل خسارتها.
الاستثمار الواعي لا يبدأ بالمال، وإنما يبدأ بالسؤال.
وكلما زادت معرفتك، أصبحت أسئلتك أفضل. وكلما أصبحت أسئلتك أفضل، أصبح قرارك أكثر هدوءًا.
قد لا تستطيع أن تعرف ما الذي سيحدث غدًا، لكنك تستطيع أن تعرف لماذا اتخذت قرارك اليوم، وما الذي تستطيع تحمله، وما الذي لا تستطيع.
وربما يكون هذا هو الفارق الحقيقي بين شخص يخاف من الاستثمار وشخص يتعامل معه بوعي؛ الأول يرى المال ويخشى أن يفقده، أما الثاني فيراه، ويتوقف، ويتعلم، ويسأل، ثم يقرر وهو يعرف أن القرار الجيد ليس هو القرار الذي يضمن له الربح، وإنما القرار الذي اتخذه بعد أن فهم ما يستطيع تحمله وما لا يستطيع.
مشاركة:
كاتبه: رامي محمد فلمبان
كاتبه: رامي محمد فلمبان